{ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا } سؤال توبيخ أو تعجب ، ولعل المراد به نفس التعجب . { وقالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } أي ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ، أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي أنطق كل حي ، ولو أول الجواب والنطق بدلالة الحال بقي الشيء عاما في الموجودات الممكنة . { وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود وأن يكون استئنافا .
21-{ وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } .
عند شهود الجوارح ، ونطق الأعضاء على الإنسان ، يحس بالخجل من نفسه ويتوقع العذاب في جهنم ، فيقول للجوارح التي شهدت عليه : كيف تشهدون عليّ ، وأنا كنت أناضل عنكم في الدنيا وأدافع عنكم ؟ وهنا تجيب الجوارح : نحن خاضِعُون لقدرة الله اليوم ، فلا مهرب من عقاب ، ولا مفر من جزاء ، لقد خلقكم الله من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ، ثم أوجدكم في الدنيا أول مرة ، بعد أن نفخ الروح في أجسامكم ، وصرتم خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، ثم أنشأ الله الإنسان طفلا ، ثم فتى ثم يافعا ثم شابا ثم شيخا ، وخلال حياته أرسل له الرسل ، وأنزل له الكتب ، ويسّر له أسباب الهداية ، ثم كفر الإنسان واستكبر ، ثم يرجع إلى ربه للحساب والجزاء . { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
وفي صحيح مسلم ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ، فقال : " هل تدرون ممّ أضحك " ؟ قلنا الله ورسوله أعلم ، قال : " من مخاطبة العبد ربّه ، يقول : ألم تُجرْني من الظُّلم ؟ قال : يقول : بلى ، قال : فيقول : فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا منّي ، قال : يقول : كفى بنفسك اليوم شهيدا ، وبالكرام الكاتبين شهودا ، قال : فيختم على فيه ، فيقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ، قال : ثم يخلّى بينه وبين الكلام ، قال : فيقول : بعدا لكُنّ وسحقا ، فعنكنّ كنت أناضل " {[644]}
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال : { وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا . . }
أى : وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التى تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول : لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم ، لكى ننقذكم من النار ؟
وهنا ترد عليهم جوارهم بقولها - كما حكى سبحانه عنها - { قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ . . . }
أى : قالوا فى الرد عليهم : أنطقنا الله - تعالى - الذى أنطق كل شئ بقدرته التى لا يعدزها شئ { وهو } - سبحانه - الذى { خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } ولم تكونوا شيئا مذكورا .
{ وَإِلَيْهِ } وحده { تُرْجَعُونَ } فيحاسبكم على أعمالكم ، ويحكم فيكم بحكمه العادل .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها ما جاء عن أنس ابن مالك - رضى الله عنه - قال : " ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وتبسم فقال : " ألا تسألون عن أى شئ ضحكت " ؟ قالوا : يا رسول الله ، من أى شئ ضحكت ؟ قال : " عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ، يقول : أى ربى ، أليس قد وعدتنى أن لا تظلمنى ؟ قال : بلى . فيقول : فإنى لا أقبل على شاهدا إلا من نفسى . فيقول الله - تعالى - : أو ليس كفى بى شهيدا . وبالملائكة الكرام الكاتبين ؟ قال : فيردد هذا الكلام مرارا قال : فيختم على فيه ، وتتكلم أركانه بما كان يعمل . فيقول : بعدا لكن وسحقا ، فعنكن كنت أجادل " " .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.