{[5167]}ولما أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر ، لأن سنته الماضية سبقت{[5168]} ولن تجد لسنته تحويلاً أن من أمات سنة أحيى على يديه{[5169]} بدعة عقوبة له . قال الحرالي : لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات في الأجسام فقال تعالى معجباً منهم عاطفاً على قوله :{ وقالوا لن يدخل{[5170]} }[ البقرة : 111 ] { وقالوا } أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى
{ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا } أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق{[5171]} الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة{[5172]} إليه فأمره تعالى بأن يجيبهم أنه{[5173]} مستن بسنة{[5174]} أبيهم{[5175]} لا يحول{[5176]} عنها كما حالوا فقال موجهاً الخطاب إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد{[5177]} به على النفس : { قل بل } مضرباً عن مقالهم{[5178]} ، أي لا يكون شيئاً مما ذكرتم بل نكون{[5179]} أو نلابس{[5180]} أنا ومن لحق بي من كمل أهل الإسلام { ملة إبراهيم } ملابسة نصير{[5181]} بها إياها كأننا{[5182]} تجسدنا{[5183]} منها ، وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها ، فهو أبلغ مما لو قيل : بل أهل ملة إبراهيم . قال الحرالي : ففيه كمال تسنن محمد صلى الله عليه وسلم في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول والآخر ، وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا ، فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم { حنيفاً }{[5184]} أي ليناً هشاً{[5185]} سهلاً قابلاً للاستقامة مائلاً مع داعي الحق منقاداً له مسلماً أمره إليه ، لا يتوجه إليه شيء من العشاوة{[5186]} والكثافة والغلظة والجمود التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان ، وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب تدور على الخفة واللطافة ، ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة ، ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل ، فيلزمه سهولة الانقياد والاستقامة ، ويكشفه آية آل عمران ( ولكن كان حنيفاً مسلماً{[5187]} }[ آل عمران : 67 ] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة طريق الإسلام . وقال الحرالي : الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان{[5188]} قلب إلى صدق حسه{[5189]} الباطن .
ولما أثبت له الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله : { وما كان من المشركين }{[5190]} قال الحرالي : فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك{[5191]} في ثبت{[5192]} الأمور والأفعال والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكمال الخاتم كما أن محمداً صلى الله عليه وسلم منه في الابتداء الفاتح ، قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :{ قل إن صلاتي }[ الأنعام : 162 ] إلى قوله :{ وأنا أول المسلمين{[5193]} }[ الأنعام : 163 ] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ومن سواه فهو منه فيها ، لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في مقابله{[5194]} ، فمن لم يكن مثلاً من الكافرين فهو من المؤمنين ، لأنه لو كان هو المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه ، لما في ذلك من معني إثبات الوصف ونفي مقابله ، ومثل هذا كثير الدور{[5195]} في خطاب القرآن ، وبين من له الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد{[5196]} العلم ، لأن العلم من العقل بمنزلة النفس ؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح ، فللفهم مدرك لا يناله العلم ، كما أن للروح{[5197]} معتلى لا تصل إليه النفس ، لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى .
قوله تعالى : { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكم الله وهو السميع العليم } .
ذكر عن ابن عباس في سبب نزول الآية الأولى أن عبد الله بن صوريا الأعور اليهودي قال لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد . وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله هذه الآية : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) وهود مفردها يهودي ، ونصارى مفردها نصراني . وكلا الفريقين أهل كتاب وهم جميعا من المشركين الذي زعموا أن لله شريكا ؛ إذ قالت اليهود : { عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } وكل فريق من هذين الفريقين يظن أنه على الحق ، فهو بذلك يتجرأ في حماقة بالغة وسفه فاضح ليدعو النبي محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) والمسلمين فيكونوا من اليهود أو النصارى . لاجرم أن هذا الاجتراء المتوقح لهو غاية في النكر وفساد السجية .
ثم يأتي الرد حاسما مباشرا وفي الحال : { قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } وملة منصوب على المفعولية للفعل المحذوف المقدر
{ نتبع } أي أخبرهم يا محمد أننا نحن هذه الأمة المؤمنة المسلمة لا نتبع ملة الشرك والميل عن الحق ، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا . و { حنيفا } منصوب على المفعولية كذلك لفعل تقديره أعني ، وقيل على الحال{[139]} . وقد كان إبراهيم على الحنيفية وهي التوحيد والاستقامة البعيدة عن أية صورة من صور الشرك . والحنيف من الفعل حنف أي مال{[140]} . فإبراهيم – عليه السلام- كان مائلا بطبعه وفطرته وسلامة تكوينه النفسي والروحي نحو الإسلام والامتثال لأمر الله تماما { وما كان من المشركين } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.