نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض{[5300]} دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولاً لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوماً لأن يكونوا أباحوا لأنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال واصلاً له{[5301]} بما قبله على وجه أعم . { سيقول } إلى آخره ، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم{[5302]} فكيف وهم عالمون{[5303]} بأنه الحق ! وقال : { السفهاء }{[5304]} ولم يقل : سيقولون ، إظهاراً للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر عواره{[5305]} لأهل كل دين{[5306]} والسفيه الذي يعمل بغير دليل ، إما بأن لا يلتفت إلى دليل فلا يتوقف إلى أن{[5307]} يلوح له بل يتبع هواه ، أو{[5308]} يرى غير الدليل دليلاً ، وأكد الوصف بالطيش بقوله : { من الناس } المأخوذ من النوس وهو التحرك ، دون أن يقول : من أهل الكتاب ، أو بني إسرائيل - و{[5309]}نحو ذلك تصريحاً بذمهم وتعميماً لكل من مالأهم على ذلك { ما ولاهم } ولم يقولوا{[5310]} : مَن ، زيادة في الأذى بالاحتقار { عن قبلتهم } . قال الحرالي : القبلة ما تجعل{[5311]} قبالة الوجه ، والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه{[5312]} { التي كانوا عليها }{[5313]} أي بيت المقدس ، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى : إن كانوا انتقلوا{[5314]} عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا فهم في كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان ، كما قالوا فيما تقدم :{ كونوا هوداً أو نصارى }[ البقرة : 135 ] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله{[5315]} : { قل } خالياً عن خطاب لا كما مضى في قوله :{ قل أتخذتم عند الله عهداً }[ البقرة : 80 ] { قل هاتوا برهانكم }[ البقرة : 111 ] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء ، فكان منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة{[5316]} لذلك فيما سلف في خمسة مواضع : تحريفهم لكلام الله ، وإيقاعه النسخ{[5317]} واستدلاله على حسن فعله ، وإخباره بظلم مانع المسجد ، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى ، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ {[5318]}مع ما في ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة ، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ{[5319]} لشغبه{[5320]} .

{[5321]}وتسميتهم سفهاء ناظر إلى قوله فيما مضى عمن نافق منهم ومن غيرهم{ ألا إنهم هم السفهاء }[ البقرة : 13 ] ، لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق عليه من جهة أخرى وهو{[5322]} أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان ، أظهروا التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه ، وأيضاً فإذا كان المنافقون الذين أظهروا حسناً سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهراً وباطناً أسفه{[5323]} : وإلى قوله قريباً{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه }[ البقرة : 130 ] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة . وقال : { لله }{[5324]} أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلماً{[5325]} { المشرق والمغرب } مخصصاً لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق .

ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة إليه سواء لأنها ملكه ، على{[5326]} أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه{[5327]} وذلك هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفاً بقوله{[5328]} معظماً لأهل{[5329]} الإسلام ومعرفاً بعنايته بهم{[5330]} : { يهدي إليه من يشاء } أي من عباده ، {[5331]}وعظم الكعبة بقوله{[5332]} : { إلى صراط المستقيم } في أي جهة كانت ، فمتى سلكه وصل{[5333]} إلى المقصود{[5334]} من غير ضلال ، ونكّره لأن المراد به جزئيات من الشريعة ؛ وأما الصراط المعرف في الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه " أل " {[5335]} من الكمال .


[5300]:في ظ: ينتقض
[5301]:ليس في مد
[5302]:في م و ظ: غيبتهم
[5303]:في متن م: يعلمون، وبهامشه: عالمون
[5304]:{السفهاء من الناس} هم اليهود {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} فقال الله {قل لله المشرق والمغرب} الآية {ومناسبة هذه الآية} لما قبلها أن اليهود والنصارى قالوا: إن إبراهيم ومن ذكر معه كانوا يهود أو نصارى، ذكروا ذلك طعنا في الإسلام، لأن النسخ عند اليهود باطل فقالوا: الانتقال عن قبلتنا باطل وسفه: فرد الله تعالى ذلك عليهم بقولهم: {قل لله المشرق والمغرب} الآية، فبين ما كان هداية وما كان سفها – البحر المحيط 1/ 419
[5305]:في م: عوراة
[5306]:العبارة من هنا إلى "دليلا" ليست في ظ
[5307]:يد في الأصل فقط "لا" ولم تكن الزيادة في بقية الأصول فحذفناها
[5308]:ي م: و
[5309]:في م: أو
[5310]:في ظ: لم يقل
[5311]:في م ومد و ظ: بجعل - كذا
[5312]:في م: عنه وفي البحر المحيط 1/ 6418: القبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان وهي من المقابلة، وقال قطرب: يقولون في كلامهم: ليس له قبلة، أي جهة يأوي إليها، وقال غيره: إذا تقابل ورجلان فكل واحد منهما قبلة لآخر
[5313]:العبارة من هنا إلى "اتباع الهوى" ليست في ظ
[5314]:في م: ينتقلوا
[5315]:زيد بعده في م ومد: استئنافا لجواب من يقول فما تقول: لهم إذا قالوا ذلك.
[5316]:في م: توطئته
[5317]:في ظ: لنسخ
[5318]:العبارة من هنا إلى "لشغبه" ليست في ظ
[5319]:في مد: واردا
[5320]:من م، وفي الأصل: لشعبه، وفي مد: سعيه.
[5321]:و{سيقول} ظاهر في الاستقبال وأنه إخبار من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه يصدر منهم هذا القول في المستقبل وذلك قبل أن يؤمروا باستقبال الكعبة ، وتكون هذه الآية متقدمة في النزول على الآية المتضمنة الأمر باستقبال الكعبة، فتكون من باب الإخبار بالشيء قبل وقوعه، ليكون ذلك معجزا إذ هو إخبار بالغيب ولتتوطن النفس على ما يرد من الأعداء وتستعد له فيكون أقل تأثيرا منه إذ فاجأ ولم يتقدم به علم، وليكون الجواب مستعدا لمنكر ذلك وهو قوله: {فلله المشرق والمغرب} وإلى هذا القول ذهب الزمخشري وغيره، وذهب قوم إلى أنها متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول وأنه نزل {قد نرى تقلب وجهك} الآية، قم نزل {سيقول السفهاء من الناس} نص على ذلك ابن عباس وغيره – البحر المحيط 1/ 419.
[5322]:في ظ: هم
[5323]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: والسفه أصله الخفة يوصف به الجماد، قالوا: ثوب سفيه أي خفيف النسخ والهلهة، ورمح سفيه أي خفيف سريع النفوذ، ويوصف به الحيوانات غير الناس، فلو اقتصر لاحتمل الناس وغيرهم، لأن القول ينسب إلى الناس حقيقة وإلى غيرهم مجازا، فارتفع المجاز بقوله: {من الناس} البحر المحيط 1/ 420
[5324]:ليست في ظ
[5325]:ليست في ظ
[5326]:ليس في م، وفي مد: علم
[5327]:في ظ: برضاه
[5328]:العبارة من هنا إلى "بهم" ليست في ظ.
[5329]:في م: باهل
[5330]:قال المهائمي: {لله المشرق والمغرب} أي الجهات كلها، فله أن يولي عباده إلى أي جهة شاء لينضبط بها ظاهرهم فينضبط باطنهم لعلاقة بينهما مع اجتماع الخلائق إلى جهة واحدة ليتفق بواطنهم في استفاضة الأنوار وله أثر عظيم، لذلك شرعت الجماعة في الصلاة ليتفق أهل محلة ووجبت في الجمعة ليتفق أهل بلد ووجب الحج ليتفق أهل الآفاق، ولا يتأتى تعيين الجهة إلا بأمر سماوي فحص إبراهيم عليه السلام بأكمل الجهات وهي الكعبة لأنها المبدأ الترابي للإنسان إذ بسطت الأرض من تحتها فإذا توجه إليه الظاهر توجه الباطن إلى مبدئية جناب الحق، وقد كان فيها الدرة المحمدية أجابت الحق من الأرض وما قابلها من السماء {إذ قال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} ثم جعلت لليهود صخرة بيت المقدس لأن منها عروج بعض الأنبياء إلى السماء، فالتوجه إليها مشعر بمعراج الصلاة، ثم جعلتا لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون جامعا فجعلت له الكعبة أولا لكمال نشأته، ثم جعلت له الصخرة بعد تحقق معراجه ليزداد عروجا حين تحول إلى المدينة فصلى إليها ستة عشر شهرا يتألف بها اليهود، ثم عاد إلى الكعبة لأن النهاية في الرجوع إلى البداية فكانت غاية الكمال لأن توجه الظاهر إليها لما استلزم توجه الباطن إلى الحق لم يكن ثمة مسافة والمعراج يشعر بالمسافة وهي إنما تعتبر في حق البعداء فلذلك قال عز وجل {يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.
[5331]:ليست في ظ
[5332]:ليست في ظ
[5333]:ليست في ظ
[5334]:ليست في ظ
[5335]:في م: إلى
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) السفهاء مفردها سفيه وهو الخفيف العقل ذو الطيش الذي لا يضبط أقواله وتفكيره سبب من روية أو موضوعية أو اتزان . والمراد بالسفهاء هنا اليهود . وقيل بل اليهود والمشركون والمنافقون جميعا فكهم الذين سألوا في همس تارة في مجاهرة تارة أخرى ؛ ليثيروا من حول الإسلام والنبي كل بواعث الشك والتوهيم إذ قالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .

وفي سبب نزول هذه الآية ذكر عن ابن عباس قوله : إن رسول الله ( ص ) لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله ( ص ) بضعة عشر شهرا وكان رسول الله ( ص ) يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل عز وجل : ( فولوا وجوهكم شطره ) أي نحوه ، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) فأنزل الله ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) {[147]} .

هكذا يطلق المشركون والمنافقون واليهود في سفاهة وجهل سؤالهم عن تولي المسلمين للقبلة الجديدة . وهو سؤال سخيف وجاهل لا ينطوي على شيء من حسن النية أو سلامة التفكير أو رجاحة العقل . وذلك ديدنهم طيلة تاريخهم العابث الطويل . وهو ديدن السفهاء واللهو وفساد النية أو إطلاق العنان للسان بغير تحفظ ليهرف تهريفا أو يبعث بالعبارة في تسيب وثرثرة .

مع أن القضية هينة وبالغة اليسر لو صلحت النوايا وصفت القلوب وانتظم التفكير انتظاما يباعد بينه وبين الثرثرة السخيفة والتصور الهابط اللئيم .

إن القضية واضحة ويسيرة لمن يبتغي الوضوح واليسر ، وهي أساسها أن الجهات جميعا لله وهي جزء من ملكوت الله العظيم المطلق ، وهو سبحانه يأمر بالتوجه مثلما يريد سواء كان ذلك صوب الكعبة أو الشام أو المشرق أو المغرب ؛ فكل أولئك ملك لله الكبير المتعال ؛ ولذلك جاء الرد وجيزا ومؤثرا وحاسما ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ويشبه ذلك قوله سبحانه في آية أخرى سابقة تبين أن التقوى والخير والصلاح إنما يتحقق بالإيمان الصحيح المقترن بالعمل المشروع الصالح وليس بالمظاهر الشكلية التي يحددها التوجه نحو الشرق أو الغرب ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله . . . ) .

قوله : ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) يريد الله أن يهدي هذه الأمة إلى القبلة العظيمة قبلة إبراهيم عليه السلام لتكون القبلة المتبعة حتى آخر الزمان . والله جلت قدرته يهيء لعباده الصالحين من الأسباب ما ييسر لهم الاهتداء والمسير على الصراط المستقيم وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه . وإذا فرط الناس في ما تهيأ لهم من أسباب الهداية كانوا من المفرطين الذين أوردوا أنفسهم موارد الخسران والهلاك .

نود أن نمر على بعض المسائل التي تنبثق عن هذه الآية لنناقشها من الوجهة الشرعية . منها : وقت تحويل القبلة بعد الهجرة إلى المدينة ، أو حجم المدة التي توجه النبي والمسلمون خلالها نحو بيت المقدس بعد أن غادروا مكة إلى المدينة مهاجرين . فقد ذكر أن ذلك كان ستة عشر شهرا . وذلك ما أخرجه البخاري والدارقطني عن الباء قال : صلينا مع رسول الله ( ص ) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس . وقيل سبعة عشر شهرا استنادا إلى ما ذكر من رواية أخرى .

ومنها : كيفية استقبال بيت المقدس فهل كان ذلك عن رأي واجتهاد من النبي ( ص ) أو أن ذلك بناء على أمر من الله ووحي ؟ والذي عليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس أن استقبال النبي لبيت المقدس لدى مقدمه إلى المدينة كان بناء على أن وتوجيه من الله ، ثم نسخ ذلك بوجوب استقبال الكعبة . ودليل قوله سبحانه : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . وذلك الذي نميل إليه ونرجحه .

ومنها : حين فرضت الصلاة على النبي والمسلمين في مكة ، هل كانت قبلتهم حينئذ الكعبة أم بيت المقدس . جاء في ذلك قولان . فقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن النبي والمسلمين كانوا يستقبلون وهم في مكة بيت المقدس ، وظلوا كذلك حتى هاجروا إلى المدينة ومكثوا يستقبلونه سبعة عشر شهرا أخر إلى أن أمرهم الله بالتوجه صوب الكعبة .

وثمة قول آخر ، وهو المعتمد والذي نرجحه ، وهو أن قبلة المسلمين الأولى كانت الكعبة فقد أمروا- وهم بمكة- بالتوجه إلى الكعبة كأول قبلة حتى هاجروا إلى المدينة فصرفهم الله إلى الشام حيث بيت المقدس إذ صلى صوبه ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا على الخلاف عسى أن يكون في ذلك تطييبا لقلوب يهود واستمالة لمشاعرهم فيما قد يكون سببا في ترغيبهم في الإسلام . وبعد ذلك أمر النبي والمسلمون بالتوجه إلى الكعبة مرة أخرى .

ومنها : أن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأنها نسخت مرتين ، كذلك أجمع العلماء . أما المرتان اللتان وقع فيهما النسخ على القبلة فإحداهما نسخ التوجه إلى مكة ؛ ليستقبل المسلمون بيت المقدس . وثانيتهما نسخ هذا الحكم ليستقبلوا الكعبة مرة أخرى{[148]} .

ومنها : جواز نسخ السنة بالقرآن ، وهو المعتمد عند الأصوليين مع أن هذه مسألة خلافية . وقد ذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء إلى أن السنة تنسخ بالكتاب . وقالوا : إن ذلك جائز عقلا وشرعا . أما جوازه عقلا فبيانه أن الكتابة والسنة كليهما وحي من الله ، لكن السنة وحي غير متلو . ونسخ أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا . أما جوازه شرعا فهو وقوعه ، كمسألتنا هذه ، وهي نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه نحو الكعبة . وهو ما يقتضيه قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ) والآية فيها الدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن . وكيفية ذلك أن صلاة النبي في المدينة نحو بيت المقدس كانت حكما مبنيا على السنة أصلا إذا لم ينزل في هذا الحكم قرأن . حتى نسخ هذا الحكم باستقبال الكعبة ؛ بناء على ما نزل من القرآن كقوله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) {[149]} .


[147]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 189.
[148]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 48 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 189- 190.
[149]:- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ 2 ص 269، والمحصول للرازي جـ 1 ص 553- 555.