ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان عين الهدى تسبب عنه قوله معبراً{[5230]} {[5231]}بأداة الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من الكثافة والغلظة والجلافة في غاية البعد{[5232]} : { فإن آمنوا } أي أهل الكتاب الذين أرادوا أن يستتبعوكم { بمثل } أي بنفس وحقيقة { ما آمنتم{[5233]} به } كما يأتي بيانه في { ليس كمثله شيء{[5234]} }[ الشورى : 11 ] من الشورى ، فكانوا تبعاً لكم { فقد اهتدوا } عكس ما قالوا{[5235]} مثلنا تهتدوا ، وعبر بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره بظهور دلائله موافقاً للفطرة الأولى ، وأما الكفر فإنه لما كان لأجل ظهور الإيمان وانطباعه في الجنان بعيداً عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال : { وإن تولوا } قال الحرالي : فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم ، لأن الله تعالى إذا صنف الخطاب كان نبأ عن تصنيف الكيان ، فهو تعالى لا يخرج نبأه على غير كائن فيكون نبأ لا كون له ، إنما ذلك أدنى أوصاف بعض الخلق { فإنما هم في شقاق }{[5236]} أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم ، لأنهم يعلمون أن الهدى ليس في شيء{[5237]} غيره كما اقتضته " إنما " .
ولما كان اللازم لمشاقّتهم{[5238]} على هذا الحال المكايدة والمحاربة وكان ذلك على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله : { فسيكفيكهم الله }{[5239]} ؛ أي بوعد لا خلف فيه أصلاً وإن تأخر{[5240]} شيئاً من تأخر بما له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي أفهمها الاسم الشريف ، والكفاية إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه إلى دفع له - قاله الحرالي . ولما كان المناوىء لشخص إما أن يكيده بقوله أو بفعله وكان الفعل مسبوقاً بالارتسام{[5241]} في الضمير وكان الكافي{[5242]} لشخص إنما يتوقف{[5243]} كفايته على العلم بما يصلحه{[5244]} قال : { وهو السميع } أي لما يقول أعداؤكم { العليم{[5245]} } بما يضمرون{[5246]} فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره عليه ، فحظكم منهم مقصور على أذى في القول وسوء في وُدّ في الضمير ، وحظهم منكم قهرهم وسبيهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم .
وقوله : { فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق } على المسلمين أتباع هذه الملة أن يدعوا أهل الكتاب إلى الحق ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ) أي إن صدقوا وأيقنت أنفسهم بما آمنتم به فقد اعصتموا بدين الله الحق وأصابوا تمام الصواب . وقيل : إن مثل زائدة ليكون المعنى : فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا . وقيل : الباء زائدة ليكون المعنى : فإن آمنوا مثل ما آمنتم به فقد اهتدوا{[142]} وقيل غير ذلك . ولعل القول الأول أصوب ؛ لانسجامه مع السياق والمعنى . وهو أنهم إن آمنوا بما آمنتم به أنتم فقد أصابوا واستقاموا . ومعلوم أن المسلمين آمنوا بالنبيين جميعا وما أنزل عليهم من كتب يبلغونها للناس .
أما إن تولوا عما آمن به المسلمون وصدقوه { فإنما هو في شقاق } والشقاق والمشاقة بمعنى الخلاف والعداوة ، نقول شاقة مشاقة وشقاقا أي خالفه ، وحقيقة ذلك أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه{[143]} .
قوله : { فسيكفيكهم الله } وهذه جملة فعلية . فعلها المضارع يكفي . وقد تعدى إلى مفعولين ، أولهما الكاف في محل نصب مفعول به أول ، وثانيهما الهاء في محل نصب مفعول به ثان والميم للجمع ، ولفظ الجلالة فاعل . وذلك وعد من الله سبحانه لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) أنه سوف يكفيه أعداءه من الأشرار والمخالفين والمعاندين ، هؤلاء الحاقدون اللّد الذين حاربوا دين الله وشاقوا الله ورسوله . فسوف يكفي الله نبيه بأس هؤلاء ومكرهم ، ويرد عنه ما يبيتونه له من سوء وعدوان . وقد أنجز الله لنبيه الكريم ما وعده من هزيمة للعدو وتدمير لخططه ومؤامراته وتبديد لجهوده وقُواه حتى مني أخيرا بالهزيمة تلو الهزيمة وبالانتكاس والتقهقر وذلك هو مصير الذين يشاقون الله ورسوله ، ويحادون دين الله . لا جرم أنهم صائرون إلى ذل الهزيمة والخزي والعار .
قوله : { وهو السميع العليم } الضمير المنفصل في محل رفع مبتدأ ، و ( السميع ) خبره مرفوع ، و ( العليم ) نعت . فالله سبحانه يسمع ما تفوه به ألسنة البشر من أقوال ، سواء في ذلك الأقوال التي تصاغ في اختلاف الشر وابتداع الأذى والمنكر يصيبان المؤمنين . أو الأقوال النافعة السديدة التي تنطق بها أفواه المؤمنين من الناس . فهو سبحانه سميع لذلك كله على نحو وكيفية لا يعلمها إلا هو . وهو كذلك ( العليم ) الذي يعلم أسرار الحياة والكائنات وما يختفي في أطواء الوجود من حقائق وأسرار ، ومن معلومات وأخبار لا يعلم منها الناس إلا ما كان هينا يسيرا غاية في البساطة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.