نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (127)

ولما ذكر بما مهده من أمر البيت ديناً ودنيا أتبعه ببنائه مشيراً إلى ما حباهم{[4936]} به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال{[4937]} عاطفاً على { إذ ابتلى } تعديداً لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافاً إلى التوحيد{[4938]} { وإذ يرفع إبراهيم } {[4939]}أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع{[4940]}

{ القواعد{[4941]} من البيت } قال الحرالي : عدّد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب ، فكانت هذه في أمر إقامة دين الله ، وكانت تلك في محاولة مدافعته ، ليظهر بذلك تفاوت ما بين الاصطفاء والعناية ، والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز أن يراد بها سافات البناء ، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله الأصبهاني .

ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهاراً لشرفه بكونه هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال : { وإسماعيل } أي يرفع القواعد أيضاً ، ووصل بهذا العمل الشريف قوله : { ربنا } مراداً فيه القول محذوفاً منه أداة البعد : أي يقولان : { ربنا تقبل منا } أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا ، إشعاراً بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه . ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله : { إنك } وأكده بقوله : { أنت السميع العليم } أي فإن كنت سمعت أو علمت {[4942]}منا حسناً فرده حسناً ، وإن كنت سمعت أو علمت{[4943]} غير ذلك من نحو قول ناشىء عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء{[4944]} فاغفره .


[4936]:في ظ: أحياهم
[4937]:ليست في ظ
[4938]:ليست في ظ
[4939]:في ظ: يكون، في ومد: يكون -كذا
[4940]:ليست في ظ
[4941]:القواعد قال الكسائي والفراء: هي الأجدر، وقال أبو عبيدة: الأساس... فإن كانت الأساس فرفعها بأن يبني عليها فتنتقل من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتتطاول بعد التقاصر. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء، ويجوز أن يكون المعنى ما قعد من البيت أي استوطئ يعني جعل القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء- البحر المحيط 1/ 373 و387.
[4942]:ليست في ظ
[4943]:ليست في ظ
[4944]:في م: اعتياء
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (127)

قوله تعالى : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } القواعد مفردها قاعدة وهي الأساس . ويبين الله في هذه الآية أن إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام كانا قد بنيا الكعبة ، وأسسا قواعدها في الأرض ؛ لتكون ثابتة مكينة ، وليرفع عليها البناء الخالد للبيت العتيق ، فيظل على الدوام ظاهرا شامخا يؤمه الحجاج والقاصدون من بلاد الله الواسعة ومن كل فج عميق .

وكان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يقولان حال رفعهما للقواعد من البيت : { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك . . } فهما يدعوان الله أن يتقبل منهما ما قدما من عمل وهو بناء البيت وتأسيس قواعده . وذلك هو شأن العابدين المخلصين في القول والعمل ، الذين تتدفق قلوبهم بالإخلاص لله ، الإخلاص الذي يتنافى مع أبسط مراتب الرياء أو الأثرة أو التعصب للذات .

وشأن المؤمن دائما أن يلح على الله سبحانه ؛ كيما يتقبل منه العبادة ، وأن يهبه الإخلاص ويباعد بينه وبين الرياء وحبوط الأعمال .

وقوله : { إنك أنت السميع العليم } كاف المخاطب في محل نصب اسم إن ، أنت توكيد تابع لكاف المخاطب ، السميع خبر ، العليم صفته .

الله جلت قدرته سميع الدعاء ، ويستجيب للذين يعبدونه مخبتين مخلصين والذين تترطب ألسنتهم وأفواههم بجميل الثناء على الله والعوذ به . وهو سبحانه عليم بما تكنه الصدور من توحيد لله وإخلاص إليه أو دون ذلك منا ينافيه من شرك أو رياء . الله سبحانه عليم بما يطويه المرء من خفايا المقاصد ومن أستار تظل دفينة مخبوءة لا يكشف سترها إلا هو سبحانه .