نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ} (175)

ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة{[6870]} حالهم مؤكداً لبعدهم فقال : { أولئك الذين اشتروا{[6871]} } أي لجاجاً وتمادياً في الغي { الضلالة } عن طريق{[6872]} الخير { بالهدى } ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر الآخرة فقال : { والعذاب } بارتكابهم هذه الموبقة { بالمغفرة } التي كانت تنجيهم{[6873]} إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة{[6874]} التي كانت سبباً لضلال خلق كثير فكان عليهم وزرهم . ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم{[6875]} ناراً وآخر أمرهم عذاباً وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضاً أوسط حالهم ناراً سبب عنه التعجيب{[6876]} من أمرهم بحبسهم{[6877]} أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر {[6878]}لالتباسهم بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة{[6879]} فقال : { فما أصبرهم } أي ما أشد حبسهم أنفسهم {[6880]}أو ما أجرأهم { على النار } التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها في {[6881]}الأخرى - ذكر {[6882]}كثيراً من {[6883]}ذلك الحرالي{[6884]} غير أني تصرفت فيه ؛ وإذا جعلته مجازاً كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد الثقيل ! تهديداً له .


[6870]:من م و مدو ظ، وفي الأصل: ترجة
[6871]:قال أبو حيان الأندلسي: وفي لفظ "اشتروا" إشعارا بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة وعدم النظر في العواقب
[6872]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: طرق
[6873]:من م و مد و ظ، وفي الأصل: ينجيهم
[6874]:في م: المعضلة. وفي مدك المعضلة
[6875]:في م: كلمهم - كذا
[6876]:في م: التعجب
[6877]:في م: يحسبهم
[6878]:ليست في ظ، وفي م "بنمو حياتها" مكان "بموجباتها"
[6879]:ليست في ظ، وفي م "بنمو حياتها" مكان "بموجباتها"
[6880]:العبارة من هنا إلى "تصرفت فيه" ليست في ظ
[6881]:في م: الآخرة
[6882]:من مد، وفي الأصل و ظ: ذكرا، وفي م: ذلك -كذا
[6883]:من م و ظ ومد، وفي الأصل فقط: في
[6884]:قال الأندلسي: وقال الزمخشري {فما أصبرهم على النار} تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، انتهى كلامه وانتهى القول في أن الكلام تعجي، وذهب معمر بن المثنى والمبرد إلى أن ما استفهامية لا تعجبية وهو استفهام على التوبيخ لهم أي أي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، وهو قول ابن عباس والسدي 1/ 495.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ} (175)

وقوله : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) ( أولئك ) اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وخبره الاسم الموصول ( الذين ) في محل رفع ، والجملة الفعلية بعده صلة الموصول .

المراد باسم الإشارة ( أولئك ) هم اليهود الذين اعتاضوا عن الاستقامة وقول الحق والعدل والالتزام بشرع الله ودينه ، بالزيغ والانحراف إذ كذبوا على الله بنكرانهم نبوة محمد ( ص ) وتحيزهم إلى فئة المشركين . وذلك هو اشتراء الضلالة وهي الكفر والانحراف والتحيز للشرك والباطل ، ودفعوا بدل ذلك عقيدتهم وملتهم إذ زيفوهما تزييفا وبدلوهما تبديلا . ومثل هذا التزييف أو التبديل أو الانحراف يؤول بهؤلاء المشركين إلى عذاب الله بدلا من مغفرته .

وقوله : ( فما أصبرهم على النار ) ما تفيد التعجب والتقدير : شيء أصبرهم . أصبر فعل ماض مبني على الفتح والضمير المتصل في محل نصب مفعول به . والميم للجمع وما في محل رفع مبتدأ ، وما بعدها خبر{[187]} . والآية تبين فظاعة العذاب الأليم الذي يحترق فيه هؤلاء المشركون الضالون . وهم حين يلجون النار يُكبكبون فيها تكبكبا وهم داخرون مقهورون . حتى إن من يبصرهم وهم يتقاحمون في النار يمتلكه العجب المدهش لصبرهم على النار المتأججة المستعرة التي تصهر الجبال فكيف بالجلود والأبدان ؟ ! .

وقيل : ( فما أصبرهم على النار ) أي ما أدومهم وأطول بقاءهم في النار وقيل : ما تفيد الاستفهام ومعناه التوبيخ . وقيل : تعني الاستهانة والاستخفاف بهم .


[187]:- البين للأنباري جـ 1 ص 138