نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (18)

{ بل } {[50596]}وإشعار لهذا المعنى بالقذف{[50597]} والدمغ تصويراً للحق بجعل الحق كأنه جرم{[50598]} صلب كالصخرة قذف بها على {[50599]}جرم رخو{[50600]} أجوف فقال : { نقذف } أي إنما شأننا أن نرمي رمياً شديداً { بالحق } الذي هو هذا الذكر الحكيم الذي أنزلناه جداً كله وثابتاً جميعه لا لهو فيه ولا باطل ، ولا هو مقارب لشيء منهما ، {[50601]}ولا تقدرون أن تتخذوا شيئاً منه{[50602]} لهواً اتخاذاً يطابقكم عليه منصف ، فنحن نقذف به { على الباطل } الذي أحدثتموه من عند أنفسكم { فيدمغه } أي فيمحقه محق المكسور الدماغ { فإذا هو } في الحال { زاهق } أي ذاهب الروح أي هالك ؛ ثم عطف على ما أفادته " إذا " قوله : { ولكم } أي وإذا لكم {[50603]}أيها المبطلون{[50604]} { الويل مما تصفون* } أي من وصفكم لكل شيء {[50605]}بما تهوى أنفسكم من غير إذن منا{[50606]} لكم{[50607]} ، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور ، فإن وصفتم القرآن بشيء مما تقدم ثم قذفنا عليه بما يبين{[50608]} بطلانه ، بان لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم{[50609]} كل الميل ، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما{[50610]} فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك ؛


[50596]:العبارة من هنا إلى "أجوف فقال" ساقطة من ظ.
[50597]:في مد: بالحذف.
[50598]:من مد، وفي الأصل: حزم.
[50599]:ما بين الرقمين بياض في الأصل ملأناه من مد.
[50600]:ما بين الرقمين بياض في الأصل ملأناه من مد.
[50601]:من ظ ومد وفي الأصل: لا يقدروا أن يتخذوا منه شيئا.
[50602]:من ظ ومد وفي الأصل: لا يقدروا أن يتخذوا منه شيئا.
[50603]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50604]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50605]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50606]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50607]:زيد من مد.
[50608]:من ظ ومد وفي الأصل: تبين.
[50609]:من ظ ومد وفي الأصل: يميل بكم.
[50610]:من ظ ومد، وفي الأصل غيرها.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (18)

قوله : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ( بل ) ، حرف إضراب . و ( نقذف ) ، من القذف وهو الرمي{[3023]} ؛ أي ليس من شأننا أن نخلق شيئا عبثا ولا أن نتخذ الولد أو الصاحبة ، بل من شأننا أن نسلط الحق على الباطل ( فيدمغه ) دمغه ؛ أي شجّه حتى بلغت الشجة الدماغ بعد أن كسرت عظم دماغه . واسم الشجة هنا الدامغة وهي التي تخسف الدماغ ولا حياة معها . وهي عاشرة الشجاج المعروفة في الجروح من باب الجنايات{[3024]} .

والمعنى : يدحضه ويبطله ، أو يقهره ويأتي عليه . والمراد أن الله يسلط الحق على الباطل ليقضي عليه ويبدده تبديدا أو يمحقه محقا . والحق هو القرآن أو الإسلام بما حواه من بالغ الحجج وعظيم الأحكام في كل القضايا البشرية وبما يحمله للناس من تصورات وأساليب مميزة في التربية والأخلاق والسلوك . كل ذلك يجعل من الإسلام خير عقيدة سمحة عرفتها الدنيا ، وخير نظام كامل شامل تجد البشرية في ظلاله الأمن والسعادة والاستقرار والنجاة من كل الأدران والمتاعب . وفي مقابل ذلك كله يجثم الباطل على صدر البشرية في غالب الأحوال والأحايين . وذلك هو الباطل بكل صوره وأشكاله ومسمياته التي لقيت البشرية تحت كابوسها ألوانا من الشقاء والتعس والويل . ويلا الحروب والإذلال والاستعباد والخوف . كل ذلك في ظل الباطل التائه العارم المتنفش . الباطل الذي ما يفتأ ، بين الحين والآخر ، يصول ويتيه عربدة وغرورا وهو يجرجر للبشرية كل ضروب الخراب والفساد والظلم .

ولا يتردد الباطل في كل مكان وزمان عن نفث الشرور والبلايا والويلات للناس ، والمسلمين خصوصا . لا يتردد الباطل المتمرد المنتفش العاتي في العدوان على البشرية ، والمسلمين خاصة ، حتى يقذف الله عليه بالحق وهو الإسلام فيسلطه عليه تسلطيا ويقهره قهرا كيما يتطحطح ويتلاشى . أو ينفى وينهزم .

قوله : ( ولكم الويل مما تصفون ) ذلك وعيد من الله لهؤلاء المشركين الكاذبين الذين يتقولون على الله الكذب فيزعمون أن له ولدا أو صاحبة . والويل ، معناه الهلاك . أو هو واد في جهنم يهوي فيه الجاحدون والمضلون والمجرمون .


[3023]:- مختار الصحاح ص 526.
[3024]:- مختار الصحاح ص 210، والمصباح المنير جـ2 ص 214.