نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا} (75)

ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة ، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه . وقال الرازي : فوصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم . تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين ، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة ، العظيمو المنزلة . ولما كان المقصود إنما هو الجزاء ، بني للمفعول قوله : { يجزون } أي فضلاً من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية ، والأحوال الصافية { الغرفة } أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها ، لأنها منتهى الطلب ، وغاية الأرب ، لا يبغون عنها حولاً ، ولا يريدون بها بدلاً ، وهي كل بناء عال مرتفع ، والظاهر أن المراد بها الجنس .

ولما كانت الغُرَب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن ، رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء فقال : { بما صبروا } أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم ، وغير ذلك من معاني جلالهم .

ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة ، قال : { ويلقون } أي يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر ؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح { فيها تحية } أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض ، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ، ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن الله ينطقون ، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان { وسلاماً } أي من الله ومن الملائكة وغيرهم ، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا} (75)

قوله تعالى : { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ( 75 ) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ( 76 ) قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ( 77 ) } الإشارة ( أولئك ) في موضع رفع خبر لقوله : ( وعباد الرحمان ) وما تخلل بين المبتدأ وخبره ، أوصاف عباد الرحمان . وقد ذكر القرطبي رحمة وهي إحدى عشرة : التواضع ، والحلم ، والتهجد ، والخوف ، وترك الإسراف والإقتار ، والنزاهة عن الشرك ، والزنا والقتل ، وتجنب الكذب ، والعفو عن المسيء ، وقبول المواعظ ، والابتهال إلى الله{[3361]} .

قوله : ( يجزون الغرفة ) أي الجنة . وقيل : الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها .

قوله : ( بما صبروا ) أي بسبب صبرهم على أوامر الله ؛ إذا أطاعوا فيما أمرهم به ، وانتهوا عما نهاهم عنه صابرين على ذلك محتسبين . وكذلك صبرهم على مواجهة الصعاب والكروب في حياتهم الدنيا ، من فقر وفاقة وأسقام وهموم وغير ذلك من شدائد الدنيا .

قوله : ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) أي تبتدرهم الملائكة في الجنة بالتحية والسلام والإكرام والاحترام ؛ ليكونوا فيها سعداء آمنين محبورين .


[3361]:- تفسير القرطبي جـ 13 ص 83.