نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي {[20128]}هو المقصد الأعظم من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب ، لأن المقصود{[20129]} الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة ، وذلك لا يكون إلا بغاية التسليم ، وذلك هو اتباع الملة الحنيفية ، وهو متوقف على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن بكشفه{[20130]} - مع الإعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي - للشبهات{[20131]} وبيانه للخفيات ، وأظهر مكابرة أهل الكتاب ، وفضحهم أتم فضيحة ، فلما تم ذلك على أحسن وجه منظماً ببدائع{[20132]} الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوار{[20133]} المعرفة بنصب دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال : { إن في خلق السماوات والأرض } أي على كبرهما وما فيهما من المنافع ، ونبه على التغير الدال على المغير بقوله : { واختلاف الليل والنهار } أي اختلافاً هو - كما ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير العزيز العليم{[20134]} { لآيات } أي على جميع ما جاءت به الرسل عن الخالق ، وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله : { لأولي الألباب * } وذكر سبحانه وتعالى في أخت{[20135]} هذه الآية في سورة البقرة ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة ، لأن السالك يفتقر في ابتداء السلوك إلى كثرة الأدلة . فإذا استنار قلت{[20136]} حاجته إلى ذلك ، وكان الإكثار من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة ، واقتصر هنا من آثار الخلق على السماوية لأنهاأقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر ، وانتقال القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع ، وختم تلك بما هو لأول السلوك : العقل{[20137]} ، وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان وشوائب هواجس الوهم المانعة{[20138]} من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين .


[20128]:سقطت من ظ.
[20129]:في ظ: المقصد.
[20130]:من ظ ومد، وفي الأصل: كشفه.
[20131]:في ظ: المشتبهات.
[20132]:في ظ: ببديع.
[20133]:في ظ: إيقاع.
[20134]:سقط من ظ.
[20135]:من ظ ومد، وفي الأصل: آخر.
[20136]:في ظ: قلب.
[20137]:سورة 2 آية 164.
[20138]:في ظ ومد: البالغة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (190)

قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) .

ذلك نداء رباني مجلجل يحرض الله فيه الإنسان على حسن التفكر وإدامة التملي والنظر في مركبات هذا الكون الهائل المديد . الكون الشاسع المخوف الذي يستوقف الذهن والحس ويشده البال والنفس ، ويهتف بالفطرة لتظل رهيفة مستجاشة لا جرم أن الكون الهائل المذهل حافل بعجائب الأشياء والخلائق ، ومترع بغرائب الدقائق والحقائق . فلا يبرح المرء وهو يديم النظر والتبصر والتفكر حتى تأخذه غمرة غاشية مثيرة من الدهش الذي يخلب اللب خلبا . وما سيتزيد المرء من ساعات التدبر والادكار في صفحات هذا الكون المريع حتى تتعاظم في أطوائه العقلية والروحية حقيقة اليقين الجازم على أن الله حق وأنه جل في علاه خالق كل شيء .

وهذه حقيقة مكينة وراسخة في أذهان أولي العقول البصيرة المستنيرة ، وهم يتدبرون ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ، ما بين شموس وأقمار ونجوم ضخام ثوابت ، أو كواكب دائرة سيارة تمضي في أفلاكها ومداراتها دورانا منتظما رتيبا من غير خلل ولا تخلف ولا اضطراب . وما بين أجرام كونية عظام تعدل من أحجام الأرض والشمس والقمر ملايين المرات ، فضلا عن أنواع الأجرام الكاثرة المتناثرة في هضم هذا الكون الذي لا تعي مداه أو اتساعه مدارك البشر . وفوق ذلك كله هذا الناموس الإلهي الراسخ المطرد الذي يضرب في أغوار الخليقة برمتها سواء في ذلك الأرض والسماء . الناموس الإلهي الذي تسير بمقتضاه الحياة والكائنات والخلائق والأجرام على غاية من التوازن والانسجام والإحكام . فلا خلل أو تعثر أو فوضى . ولا اضطراب أو اختلاف أو تفاوت ، وإنما هو النظام الرباني الثابت المتسق الذي تأخذه بموجبه عجلة الحياة والكائنات في المسير والحركة على أتم صورة وأكمل نظام . وذلكم هو الناموس أو القانون الذي يقوم عليه بنيان السماوات والأرض .

وذلك كله يسترعي الثلة الواعية البصيرة من البشر ليتدبروا ما خلق الله . فقال سبحانه : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) : وقوله ( واختلاف الليل والنهار ) أي تعاقبهما ، إذ يأتي الواحد منهما عقب الآخر ، وكذلك تقارضهما الطول والقصر ، فتارة يطول هذا ويقصر الآخر ، ثم يعتدلان ، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا ، ويقصر الذي كان طويلا . وهو قول ابن كثير رحمه الله .

وقوله : ( لآيات لأولي الألباب ) أي أن في ذلك دلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وعلى كمال علمه وقدرته . إن ذلكم الله الحق المبدع المقتدر الحكيم .