نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ} (195)

ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة{[20180]} لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله{[20181]} قال : { فاستجاب } أي فأوجد الإجابة حتماً { لهم } قال الأصفهاني : وعن جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات " ربنا " أنجاه الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية . وأشار إلى أنها من{[20182]} منّه وفضله بقوله{[20183]} : { ربهم } أي المحسن إليهم المتفضل عليهم { إني لا أضيع عمل عامل منكم } كائناً من كان { من ذكر أو أنثى } وقوله معللاً : { بعضكم من بعض } التفات إلى قوله{[20184]} سبحانه

{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم }[ آل عمران : 59 ] الناظر إلى قوله{[20185]} { ذرية بعضها من بعض }[ آل عمران : 34 ] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى{ اصطفى آدم ونوحاً }[ آل عمران : 33 ] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً ، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل .

ولما أقر أعينهم بالإجابة ، وكان قد تقدم ذكر الأنصار{[20186]} عموماً في قوله :{ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين{[20187]} }[ آل عمران : 170-171 ] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه ، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً{[20188]} : { فالذين هاجروا } أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس إليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة{[20189]} وأعز البلاد عليهم .

ولما كان للوطن من القلب منزل{[20190]} ليس لغيره نبه عليه بقوله : { وأخرجوا من ديارهم } أي{[20191]} وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم ، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : { وأوذوا } أي بغير ذلك من أنواع الأذى { في سبيلي } أي بسبب ديني الذي نهجته{[20192]} ليسلك إليّ فيه ، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه{[20193]} { وقاتلوا } أي في سبيلي .

ولما كان القتل نفسه هو المكروه{[20194]} ، لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته ، فبنى للمفعول قوله : { وقتلوا } أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح{[20195]} عن منازل أشباحهم ، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام ، لأن من استقتل{[20196]} أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل{[20197]} أخص منه{[20198]} ولم يقف أحد أمامه ، فكأنه قيل{[20199]} : وأرادوا{[20200]} القتل ، هذا{[20201]} بالنظر إلى الإنسان نفسه ، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع{[20202]} فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل { لأكفرن عنهم سيئاتهم } كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد { ولأدخلنهم } أي بفضلي { جنات تجري من تحتها الأنهار } كما سبق به{[20203]} الوعد { ثواباً } وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه ، وعظمه بقوله : { من عند الله } أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه { والله } أي الذي له{[20204]} الجلال والإكرام{[20205]} ، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : { عنده } أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة { حسن الثواب * } أي وهو ما لا شائبة كدر فيه ، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره .


[20180]:وقع في ظ: إلا ـ كذا مقطوعا.
[20181]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20182]:سقط من ظ ومد.
[20183]:في ظ: بقولهم.
[20184]:في ظ: التفاوت.
[20185]:سقطت من ظ.
[20186]:في ظ: الانضمار ـ كذا.
[20187]:سورة 3 آية 170 و171.
[20188]:من ظ ومد، وفي الأصل: مجبلا.
[20189]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20190]:في ظ: لمنزل.
[20191]:سقط من ظ.
[20192]:من مد، وفي الأصل وظ: بهجته.
[20193]:زيد بعده في الأصل: معللا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20194]:زيدت الواو بعده في ظ ومد.
[20195]:من مد، وفي الأصل: النزول، وفي ظ: البروح.
[20196]:في الأصول: استقل.
[20197]:في ظ: فقيل.
[20198]:سقط من مد.
[20199]:من ظ ومد، وفي الأصل: قتل.
[20200]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالقتل بدا.
[20201]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالقتل بدا.
[20202]:من ظ ومد، وفي الأصل: لمجموع.
[20203]:في ظ: فيه.
[20204]:زيد بعده في الأصل: ذو، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20205]:في ظ ومد: الجمال.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ} (195)

قوله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب ) .

روي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله ! لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله ( فاستجاب لهم ربهم ) الآية{[671]} . والفاء في قوله : ( فاستجاب ) تفيد التعقيب .

والمعنى أن الله قد استجاب للمؤمنين المخبتين بعد ما دعوه وتضرعوا إليه وسألوه ما سألوه من الغفران والستر على الذنوب ، والتوفي مع الأبرار ، وأن يؤتيهم ما وعدهم به من الفضل والثواب ، وأن لا يخزيهم يوم القيامة- استجاب الله لهم أنه لا يضيع ثواب عمل لأحد سواء كان ذكرا أو أنثى . فإنه لا تفاوت بين ذكر وأنثى في الأجر والثواب على العمل ، والاستجابة لأدعية الداعين ما داموا مؤمنين مستمسكين بدين الله . ولا وزن في ذلك لاعتبارات البشر من الحسب والنسب والمال وغير ذلك . ويؤكد ذلك قوله سبحانه : ( بعضكم من بعض ) حرف الجر ( من ) بمعنى الكاف . أي بعضكم كبعض ، أو مثل بعض في الثواب على الطاعة على المعصية . فأصلكم واحد فالذكر من الأنثى والأنثى من الذكر . أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله . وعلى هذا رجالكم مثل نسائكم في الأحكام والنصرة والدين . وليس من مجال بعد ذلك للتفاوت أو التفضيل بين ذكوركم وإناثكم .

قوله : ( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأودوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ) .

ذلك إطراء من الله للذين هجروا وطنهم مكة فارين إلى الله بدينهم ، راحلين من دار الفتنة حيث التعذيب والإذلال والصدر عن دين الله ، بعد أن أخرجهم الظالمون من أرضهم حيث الأهل والأحباب والخلان والأقارب ، وبعد أن آذوهم بالقهر والتنكيل وكل ألوان الأذى ، وذلك كله في طاعة الله . أو بسبب إيمانهم بالله إيمانا حقيقيا صادقا بعيدا عن الشرك والأوثان وسفاهة الجاهلية وضلالاتها . وهو مقتضى قوله : ( في سبيلي ) .

وقوله : ( وقاتلوا وقتلوا ) وذلك ضرب من ضروب الطاعة لله ، وهو أن ينبري المؤمنون الأوائل لقتال الكافرين الظالمين الذين يفتنون الناس عن دينهم ويتصدون للمسلمين بالقهر والتنكيل والفتنة ليحرفوهم عن دينهم إن استطاعوا ، فلا مناص إذن من قتال هؤلاء الظالمين الفجار . لا جرم أن قتالهم من جليل الأعمال وخيرها . وقد كان ذلك شأن المسلمين الأوائل لدى المهاجرة من مكة فقد قاتلوا المشركين المعتدين وبعضهم قتل فكتبت له الشهادة .

قوله : ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ) أي لأسترنها عليهم فلا أفضحهم بها يوم القيامة . وفوق ذلك يدخلون الجنة ومن حولها الأنهار الجارية السائحة ، ليجدوا هنالك من الخير والنعيم ما لم يطرأ لهم على بال ؛ ولذلك قال : ( ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) .

قوله : ( ثوابا من عند الله ) ( ثوابا ) ، مصدر مؤكد لما قبله ، لأن قوله : ( ولأدخلنهم جنات ) يعني لأثيبنهم ثوابا . أي إثابة أو تثويبا من عند الله . وقيل : منصوب على التمييز . وقيل غير ذلك{[672]} .

قوله : ( والله عنده حسن الثواب ) أي حسن الجزاء الذي يستحقه العامل بعمله الصالح


[671]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 93.
[672]:- البيان للأنباري جـ 1 ص 237.