نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

ولما أشرك اليهود في هذا الخطاب وأفهم شرط{[15735]} التولي بأداة الشك وقوعه ، فتشوفت{[15736]} النفس إلى معرفة جزائهم{[15737]} أشار إليه واصفاً لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال{[15738]} : - وقال الحرالي : و{[15739]}لما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه{[15740]} على{[15741]} أهل الإنجيل{[15742]} جرى ذكر أهل التوراة فيها مجملاً{[15743]} بجوامع من ذكرهم ، لأن{[15744]} تفاصيل أمرهم قد استقرأته{[15745]} سورة البقرة ، فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بياناً وأهل الإنجيل إجمالاً ، وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بياناً وذكر أهل التوراة إجمالاً ، لما كان لبس{[15746]} أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في سورة { الم ذلك الكتاب }[ البقرة : 1 ، 2 ] ، ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية كان بيان ما تشابه عليهم في سورة{ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم }[ آل عمران : 1 ، 2 ] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا فيه في أمر الإلهية في عزير{[15747]} واختصوا{[15748]} بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين{[15749]} بالقسط ؛ انتهى .

فقال تعالى : { إن الذين يكفرون } وهم الذين خذلهم الله { بآيات الله } في إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه{[15750]} سبحانه وتعالى . قال الحرالي : وفي ذكره بصيغة الدوام{[15751]} ما يقع منهم من الكفر بآيات{[15752]} الله في ختم اليوم المحمدي{[15753]} مع الدجال{[15754]} فإنهم أتباعه { ويقتلون النبيين } في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان{[15755]} لهم مدخل{[15756]} في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم{[15757]} التي رزقه الله فيما كان{[15758]} يدعو به حيث كان يقول صلى الله عليه وسلم : " اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية " .

ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً بل لمحض{[15759]} والكفر والعناد{[15760]} ، لأن الأنبياء مبرؤون{[15761]} من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي قال : { بغير حق } أي لا صغير ولا كبير في نفس الأمر ولا في اعتقادهم ، فهو أبلغ مما{[15762]} في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف{[15763]} فالأخف . ولما خص{[15764]} ذكر أكمل الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال{[15765]} معيداً للفعل{[15766]} زيادة في لومهم وتقريعهم : { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } أي العدل ، ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله{[15767]} من الملائكة قال{[15768]} : { من الناس } أي كلهم ، سواء كانوا أنبياء{[15769]} أو لا ، ويجوز أن يكون المراد{[15770]} بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي{[15771]} من حقهم أن يألفوه{[15772]} ويسعوا في بقائه ، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير من الملوك والرؤساء ، فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب{[15773]} ومخالطتهم{[15774]} رؤساء الناس بالطب الذي توسل{[15775]} كثير منهم إلى قتلهم به عمداً وخطأ ، ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في قتل الأنبياء جهرة - انتهى .

ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفاً و{[15776]}التقدير : أنهم مطبوع على قلوبهم ، أو : لا يؤمنون ، أو : لا يزالون يجادلونك وينازعونك{[15777]} و{[15778]}يبغون لك الغوائل{[15779]} { فبشرهم بعذاب أليم * }{[15780]} أي اجعل{[15781]} إخبارهم بأنه{[15782]} لهم موضع البشارة ، فهو من وادي : تحيتهم{[15783]} بينهم ضرب وجيع .


[15735]:ي ظ: بشرط.
[15736]:ن ظ و مد، وفي الأصل: فتشرفت.
[15737]:ي ظ: خرابهم.
[15738]:قطت الواو من ظ ومد.
[15739]:سقطت الواو من ظ ومد.
[15740]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أشبه.
[15741]:ن ومد، وفي الأصل: الإنجيل أهل.
[15742]:ن ومد، وفي الأصل: الإنجيل أهل.
[15743]:ن مد، وفي الأصل: محلا، وفي ظ: محملا.
[15744]:ي ظ: وإن.
[15745]:ن ظ ومد، وفي الأصل: دون.
[15746]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ليس.
[15747]:في ظ: عزيز.
[15748]:ن مد، وفي الأصل: واختلفوا، وفي ظ: واختصموا.
[15749]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الأمر منه.
[15750]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الله.
[15751]:ن ظ ومد، و موضعه في الأصل بياض.
[15752]:في ظ: لآيات.
[15753]:من ظ ومد، وفي الأصل: الحد.
[15754]:من ظ ومد، وفي الأصل: الرجال.
[15755]:ن مد، وفي الأصل: هم كل، وفي ظ : لهم مدخلا.
[15756]:ن مد، وفي الأصل: هم كل، وفي ظ : لهم مدخلا.
[15757]:لعبارة من هنا إلى "عليه وسلم" سقطت من ظ.
[15758]:ن مد، وفي الأصل وظ: كانوا.
[15759]:ي ظ: بمحض.
[15760]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الفساد.
[15761]:ن ظ، وفي الأصل و مد: براون.
[15762]:ن ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[15763]:من ظ ومد، وفي الأصل: والأخف.
[15764]:سقط من ظ.
[15765]:ي ظ: مقيدا للعامل، وفي مد: فيدا للعامل.
[15766]:ي ظ: مقيدا للعامل، وفي مد: فيدا للعامل.
[15767]:ن ظ ومد، وفي الأصل: قسمه ـ كذا.
[15768]:من ظ ومد، وفي الأصل: فقال.
[15769]:ي ظ: الأنبياء.
[15770]:في ظ ومد: أراد.
[15771]:ن ظ ومد، وفي الأصل: الذين.
[15772]:قع في جميع الأصول: بالقوه ـ كذا محرفا عما أثبتناه.
[15773]:ي ظ: الطب.
[15774]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تخالصتهم.
[15775]:ي ظ: ترسل.
[15776]:ن ظ ومد، وفي الأصل: أو.
[15777]:ي ظ: ينازعون.
[15778]:ن ظ و مد، وفي الأصل: سعون لك العوايل.
[15779]:ن ظ و مد، وفي الأصل: سعون لك العوايل.
[15780]:لعبارة من هنا إلى "ضرب و جيع" سقطت من مد.
[15781]:ي ظ: أجنادهم بان.
[15782]:ي ظ: أجنادهم بان.
[15783]:ن ظ، وفي الأصل: تحية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

قوله تعالى : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق و يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ) ذلك حكم الله في الطغاة من الكافرين سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو الوثنيين ، أولئك العتاة الجاحدون الذين يكفرون بعقيدة الحق القائمة على التوحيد الخالص ، والذين يجترئون في صلف وعتو وفظاعة على قتل أنبياء الله بغير حق . وكذلك ( الذين يأمرون بالقسط من الناس ) أي الذين يأمرون بالعدل وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، أولئك هم دعاة الحق والهداية . الدعاة إلى طريق الله المستقيم في كل عصر ونصر . ومنهم الدعاة إلى دين الله القيوم في هذا الزمان . . . دعاة الإسلام .

إن الذين يجترئون على قتل النبيين ودعاة الإسلام العاملين المخلصين . أولئك هم الأشقياء من شر البشر الذين تجترئ طبائعهم الممسوخة وقلوبهم الجاحدة المريضة على مقارفة العدوان والنكر في أبشع صورة . تلك فظاعة العدوان والنكر في أبشع صورة . تلك هي فظاعة العدوان الصارخ على جلال الله وسلطانه الأعظم بقتل أنبيائه الأطهار وأتباعهم من دعاة الحق . . دعاة الإسلام .

على أن الإسلام في حقيقة أبعاده وشموله يعني الاستسلام لسلطان الله ، والامتثال لأوامره والوقوف عند حدوده ، وأساس ذلك كله عقيدة التوحيد الخالص لله دون سواه من المخاليق . وذلك إنما ينسحب على عامة الأديان السماوية الحقيقية الناصعة من غير أن يعتريها تحريف أو خلط أو تشويه .

وفي ذلك العدوان النكير على النبيين ودعاة الحق روي عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ قال : " رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله عز وجل " {[431]} .

فإن قيل : ذلك في الذين خلوا من بني إسرائيل إذ كان ديدنهم التقتيل فما جريرة أحفادهم في الأزمان التالية فيما بعد ؟ !

والجواب أنهم رضوا عما ورثوه عن آبائهم من تقتيل للنبيين وأتباعهم من الدعاة إلى الله ، فضلا عن براعة يهود في صور التدسس من خلف المجتمعات وهم يتآمرون على البشرية بتدبير المؤامرات والمخططات وأساليب الكيد والإفساد لتدمير القيم والأديان ، وإشاعة الفوضى والرعب ، وكذلك إثارة الفتن والحروب وغير ذلك من وجوه الإبادة والتخريب .

هؤلاء الذين قتلوا أنبياء الله وكادوا للمؤمنين كيدا قد توعدهم الله بالعذاب الموجع البئيس سواء في الدنيا حيث الذلة والصغار ، أو في الآخرة حيث التحريق والاضطرام في السعير الحامية المتأججة ، وذلك في قوله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) والبشرى إذا أطلقت استعملت في الخير ، وإنما تكون للشر إذا قيدت به كهذه الآية والمراد هنا إنذار هؤلاء القوم بالعذاب الأليم{[432]} .


[431]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 355.
[432]:- تفسير الرازي جـ 7 ص 232، 233 وتفسير الطبري جـ 3 ص 145 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 355 ومختار الصحاح ص 53.