فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (21)

رضي الله تعالى لعباده الإسلام دون سواه ، فمن كذب بالحق وقد جاءه وأعرض عن الهدى بعد أن تبين له وقتل الأنبياء وهم صفوة البشر الذين بعثوا بوحي رب القوى والقدر ، أو قتلوا الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر فأنبئهم بما ينتظرهم من العقاب الموجع وتقييد قتلهم النبيين وما عطف عليه بالقول الكريم : { بغير حق } قيد لبيان الواقع فإن قتل الأنبياء وقتل الذين يأمرون بالقسط{[898]} من الناس يكون إذا وقع دائما بغير حق فهو قيد ليس للاحتراز – دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة . . وفي التنزيل { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف . . }{[899]} ، ثم قال{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . . . . }{[900]} فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين . . . {[901]} .

روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .


[898]:أورد القرطبي: وقد روى عن ابن مسعود قال: النبي صلى الله عليه وسلم ( بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس بئس القوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر بئس القوم قوم يمشي المؤمن من بينهم بالتقية).
[899]:من سورة التوبة من الآية 67.
[900]:سورة التوبة من الآية 71.
[901]:مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن وأضاف: قال الحسن: قال النبي صلى الله عليه سلم: "ومن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه" وعن درة بنت أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال من خير الناس يا رسول الله قال " آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه".. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد وإنما يقوم به السلطان إذا كانت إقامة الحدود إليه والتعزيز إلى رأيه، والحبس والإطلاق له والنفي والتغريب، فينصب في كل بلد رجلا صالحا قويا عالما وأمينا ويأمره بذلك ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر...}.. وليس من شرط الداعي أن يكون عدلا عند أهل السنة خلافا للمبتدعة حيث تقول لا يغيره إلا العدل، وهذا ساقط فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس فإن تشبثوا بقوله تعالى {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم...} وقوله {كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون} ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهى عنه لا على نهيه عن المنكر ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى.. أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه وأنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك؛ وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه لم يستطع سوى ذلك قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة.. وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند الكثير من العلماء الاقتحام عند هذا الغرر –الخطر- وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده؟ والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي.. وهذه الآية على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى {.. وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك..} وهذا إشارة للإذاية.. قال العلماء الأمر بالمعروف باليد على الأمراء وباللسان على العلماء وبالقلب على الضعفاء يعني عوام الناس فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله وإن لم يمكنه بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل وهذا تلقي من قول الله تعالى {... فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله..} وعليه بين العلماء أنه إذا دفع الصائل -القاتل- على نفسه أو ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه... وقيل كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء إمام عادل لا يظلم وعامل على سبيل الهدى ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى...؛ روى أنس بن مالك: قيل يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال (إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم) قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا قال ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم). قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (والعلم في رذالتكم) إذا كان العلم في الفساق أخرجه ابن ماجه.1هـ. يراجع من شاء الجزء الرابع من الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي جـ4 صـ46وما بعدها.