ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء غير الله ، ثم هدد من تولى ، فكان السامع{[18175]} جديراً بأن يقول : أنا مقبل{[18176]} غير متول فما أقول وما أفعل ؟ قال مخاطباً لرأس السامعين ليكون أجدر{[18177]} لامتثالهم : { قل } أي قبل كل شيء ، أي{[18178]} ملفتاً لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل { آمنا } أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتاً لأهل الكتاب بما تركوه من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلص أبنائه{[18179]} ، وأبوه وجادلوا فيه عدواناً وادعوه ؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال : { بالله } الذي لا كفوء له .
ولما كان الإنزال على الشيء مقصوداً به ذلك الشيء بالقصد الأول كان الأنسب أن يقال : { وما أنزل علينا } فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازاً ، وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد { وما أنزل على إبراهيم } أي أبينا { وإسماعيل وإسحاق } أي{[18180]} ابنيه
{ ويعقوب } ابن إسحاق { والأسباط } أي أولاد يعقوب .
ولما كان ما ناله صاحبا{[18181]} شريعة بني إسرائيل من الكتابين المنزلين عليهما والمعجزات الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير السياق إلى قوله : { وما أوتي موسى } من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة { وعيسى } من ذرية داود من{[18182]} الإنجيل والشريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما الصلاة والسلام .
ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به وأغرق فيه ناسب الإعراء عن التأكيد بما في البقرة ، ونظر{[18183]} إلى الكل لمحاً واحداً فقال{[18184]} : { والنبيون } أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان{[18185]} بالمنزل مذكوراً مرتين لشرفه { من ربهم } أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم ؛ ثم استأنف تفسير هذا الإيمان{[18186]} بقوله :
{ لا نفرق بين أحد منهم } تنبيهاً على الموضع الذي كفر به اليهود والنصارى { ونحن له } أي لله{[18187]} وما أنزل من عنده{[18188]}
{ مسلمون * } أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى{[18189]} .
قوله : ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا ) الآية : يأمر الله نبيه بدعوة أهل الكتاب لدين الله ، فإن ابتغوا غير دين الله بأن تولوا مستكبرين ، قال لهم :
( آمنا بالله ) أي صدقنا وأيقنا أن الله هو ربنا وإلهنا لا إله إلا غيره ولا نعبد أحدا سواه ، وصدقنا أيضا بما أنزل علينا من وحيه وتنزيله وهو القرآن ، وكذلك ما أنزل الله من الوحي والصحف على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط .
والأسباط جمع ومفرده سبط بكسر السين وهو في اللغة ولد الولد{[4]} .
والمراد بالأسباط في الآية ولد يعقوب الاثنا عشر وما تفرع عنهم من بطون بني إسرائيل المتشبعة من أولاد إسرائيل وهو يعقوب .
قوله : ( وما أوتي موسى وعيسى ) أن التوراة والإنجيل ، فنحن مأمورون بتصديقها والإيمان بهما على أنهما أنزلا من عند الله ، وكذلك نؤمن دون ريب بما أنزل على النبيين من الوحي والكتب ، لا نشك في ذلك ولا نتردد في تمام اليقين مما أنزله الله على النبيين والمرسلين من الكتب والصحف والرسالات .
قوله : ( لا نفرق بين أحد منهم ) أي لا نصدق بعضهم ونكذب بعضهم ، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى إذ صدقوا بعض أنبياء الله وكذبوا بعضهم ، أما نحن المسلمين فلا جرم أننا نؤمن بجميع الأنبياء ونصدقهم ، وذلك هو ديدن المسلمين في كل مكان وزمان . وهو الإيمان بجميع الأنبياء ونصدقهم ، وذلك هو ديدن المسلمين في كل مكان وزمان . وهو الإيمان بجميع الأنبياء ونصدقهم ، وذلك هو ديدن المسلمين في كل مكان وزمان . وهو الإيمان بجميع الأنبياء من غير تفريق بينهم في ذلك ، يستوي في ذلك إيمان المسلمين بأبي الخليقة آدم وأبي البشر الثاني نوح ، أو الإيمان بالنبيين والمرسلين من بني إسرائيل بداء بإسرائيل نفسه وهو يعقوب ، وانتهاء بكلمة الله المسيح ابن مريم وغير هؤلاء من أنبياء الله .
المسلمون يؤمنون بهؤلاء جميعا من غير شك في ذلك ولا تردد ، يدعوهم إلى ذلك إيمانهم بالله منزل الكتاب الحكيم- القرآن- الذي أمر ألا نعبد إلا الله وأمر أن نؤمن بالنبيين كافة من غير استثناء .
المسلمون مبادرون بالإيمان الكامل والتصديق الأدنى بما أنزل الله على أنبيائه من كتب وصحف ورسالات لا يثنيهم عن ذلك تعصب ولا زيغ ولا هوى ، خلافا لأهل الكتاب من النصارى واليهود الذين جعلوا الإيمان والعقيدة عضين{[5]} . إذ آمنوا ببعض النبيين وكفروا ببعضهم الآخر ، لا يحدوهم في ذلك غير التعصب والجحود والتمرد الكامل على الله ، لا جرم أن أولئك عتاة ضالون مستنكفون عن الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة ، على أن أهل الكتاب جميعا متفقون على ما هو أنك من ذلك وأشد عتوا- متفقون على تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم ! ! هذا الرسول المفضال الأعظم ذو الملة الحنيفية السمحة والديانة الجامعة الشاملة الوسط ، الديانة المتوازنة المعتدلة الميسورة التي تراعي فطرة البشر أكمل مراعاة ، بخلاف الديانات والكتب السماوية الأخرى ومنها التوراة والإنجيل اللذان خالطهما التغيير والتبديل وغشيهما من التحريف والتزييف ما أسلمهما إلى حمأة التزوير والتشويه ، فما يقرأ المرء شيئا من هذين الكتابين حتى تغشاه الريبة وانتفاء الثقة والتصدق .
ذلك هو شأن النصارى واليهود منذ تحريف التوراة والإنجيل ، لقد بات حالهما مبينا على التكذيب الفاضح لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولعمر الحق وإن ذلكم غاية الهوان والانتكاس ، بل غاية الاستخفاف بالعقل السليم وقسطاس الله المستقيم ! !
ذلك هو مقتض قوله تعالى : ( لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) أي ونحن له منقادون بالطاعة متذللون بالعبودية مقرون له بالألوهية والربوبية وأنه لا إله غيره{[6]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.