ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائناً{[18251]} لهم فيه إلى حد أيس معه من رجوعهم تشوف{[18252]} السامع إلى حالهم في الآخرة فقال{[18253]} مبيناً لهم{[18254]} أن السبب في عدم قبول توبتهم تفويت{[18255]} محلها بتماديهم على الكفر{[18256]} : { إن الذين كفروا } أي هذا الكفر أو غيره{[18257]} ، ويجوز أن يكون المراد أنهم{[18258]} ثلاثة أقسام : التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا ، والتائبون توبة فاسدة ، والواصلون كفرهم{[18259]} بالموت من غير توبة ، ولذا{[18260]} قال : { وماتوا وهم كفار } ولما كان الموت كذلك سبباً للخلود في النار لأن السياق للكفر{[18261]} والموت عليه ، صرح بنفي قبول الفداء{[18262]} كائناً من كان{[18263]} ، وربطه بالفاء فقال : { فلن يقبل } أي بسبب شناعة فعلهم الذي هو{[18264]} الاجتراء على الكفر ثم الموت{[18265]} عليه { من أحدهم } أي كائناً من كان { ملء الأرض ذهباً } أي من الذهب ، لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة أوهدية أو غير ذلك{[18266]} { ولو افتدى به } لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء ، وما بعدها جاء تنصيصاً على الحالة التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها ، كقوله صلى الله عليه وسلم " أعطوا السائل ولو جاء على فرس " فكونه{[18267]} جاء على فرس يؤذن بغناه ، فلا يناسب أن يعطى فنص عليه ؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجباً عند أهل الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم{[18268]} }[ البقرة : 85 ] {[18269]}كان بحيث{[18270]} ربما ظن أن{[18271]} بذله - على طريق الافتداء يخالف بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله ، فنص عليه ؛ وأيضاً فحالة الافتداء حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه ، إذ هي حالة قهر من المفتدى منه للمفتدى - قاله أبو حيان . فالمعنى : لا يقبل من أحدهم ما{[18272]} يملأ الأرض من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء ، والمراد بالمثال المبالغة في الكثرة ، أي لا يقبل{[18273]} منه شيء ؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري في محاوراتهم{[18274]} - والله سبحانه وتعالى أعلم .
ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله : { أولئك } أي البعداء من الرحمة { لهم عذاب أليم } ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة الجار فقال : { وما لهم من ناصرين * } أي ينصرونهم{[18275]} بوجه من الوجوه ، فانتفى عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ{[18276]} .
قوله تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) المراد بذلك أن هؤلاء الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يصدقوا بما جاء به من عند الله ، سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو غيرهم من ذوي الملل الكافرة ثم ماتوا عل حالهم من الكفر والجحود ، فلن يقبل منهم يوم القيامة جزاء ولا فدية ترد عنهم العذاب ، ولو كان ذلك ملء الأرض ذهبا ، والفدية معناها العوض والجزاء من المفتدى منه ، وملء ، ملا يملأ الشيء ، أو ما يأخذه الإناء إذا امتلأ{[517]} وقوله : ( ذهبا ) منصوب على التمييز .
أما الواو في قوله : ( ولو افتدى به ) فثمة تفصيل في معناها . فقد قيل : الواو زائدة فيكون المعنى للآية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لو افتدى به .
وقيل : إنها للعطف ، والتقدير : لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره ، ولو افتدى من العذاب بملء الأرض ذهبا لم يقبل منه . وقيل غير ذلك{[518]} .
قوله : ( أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ) بعد أن بين الله حال هؤلاء المرتدين الجاحدين من الإياس المطبق وأنهم لا يرجى لهم غفران أو توبة ولو افتدوا أنفسهم من العذاب بما يملأ الدنيا ؛ فإنه جل ثناؤه يؤكد أنه لا خلاص لهؤلاء من عذابه ، وليس لهم من أحد يعينهم أو ينقذهم من الويل الذي حاق بهم أو يدرأ عنهم العذاب الذي يحيط بهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.