نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا} (144)

ولما انقضى ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء ، المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ ، صرح به مخاطباً للمؤمنين فقال : { يا أيها الذين ءامنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً { لا تتخذوا } أي تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا{[23104]} { الكافرين } أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه { أولياء } أي أقرباء{[23105]} ، تفعلون معهم من الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه .

ولما كان الغريق{[23106]} في الإيمان أعلى الناس ، وكان تحت رتبته رتب متكاثره ، نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم بالجار فقال : { من دون المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان ، وهذا إشارة إلى أنه{[23107]} لا يصح لمن يواليهم{[23108]} دعوى الإيمان ، ولذلك قال منكراً : { أتريدون } أي بموالاتهم { أن تجعلوا لله } أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله { عليكم } أي في النسبة إلى النفاق { سلطاناً } أي دليلاً اضحاً على كفركم{[23109]} باتباعكم غير سبيل المؤمنين { مبيناً * } واضحاً مسوِّغاً لعقابكم وخزيكم{[23110]} وجعلكم في زمرة المنافقين .


[23104]:من مد، وفي الأصل وظ: تأخذوا.
[23105]:في ظ: اقروا بما ـ كذا.
[23106]:من ظ ومد، وفي الأصل: التفريق.
[23107]:من مد، وفي الأصل وظ: أن.
[23108]:في ظ: تواليهم.
[23109]:في ظ: كفرهم.
[23110]:من مد، وفي الأصل: حريكم، وفي ظ: خزلكم ـ كذا.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا} (144)

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ) .

يحذر الله عباده المؤمنين من اتّباع الكافرين واتخاذهم أعوانا وأنصارا . وأشد من ذلك نكرا أن يصاحب المؤمنون الكافرين ويسروا إليهم بالمودة بما يكون في ذلك من إفشاء لأحوال المؤمنين وأوضاعهم ، وما يكون فيه كذلك من تنكر للمؤمنين أنفسهم وحيف عليهم بالتآمر والممالأة لأعدائهم المشركين . ولا جرم أن ذلك ضرب من الخيانة التي يمارسها ضعاف الإيمان على حساب المسلمين جريا وراء مصلحة محدودة أو طمعا في مأرب من المآرب التافهة الرخيصة .

وقوله : ( أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ إذ تتضمن الآية سؤالا فيه استنكار لما يقوم به بعض ضعاف الإيمان من الإسرار للمشركين ومالأتهم لهم على حساب المسلمين . فإن الله يستنكر مثل هذا التصرف غير المقبول الذي يكون لله بموجبه الحجة والبرهان لعذابهم وإنزال العقوبة الشديدة بهم .