ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم طعمة الذين اعتصبوا له ، التفت إليهم مستعطفاً بصيغة الإيمان ، جائياً{[22985]} بصيغة الأمر على وجه يعم غيرهم ، قائلاً ما هو كالنتيجة لما مضى من الأمر بالقسط من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث عليه : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { كونوا قوَّامين } أي قائمين قياماً بليغاً مواظباً عليه مجتهداً فيه .
ولما كان أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال : { بالقسط } بخلاف ما يأتي في المائدة{[22986]} فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما يكون بالنظر إلى الموفى له { شهداء } أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل شيء أردتم الدخول فيه{[22987]} { لله } أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره { ولو } كان ذلك القسط { على أنفسكم } أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء ، و{[22988]}إلا تفعلوا{[22989]} ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على رؤوس الأشهاد ، ففضحتم في يوم يجتمع{[22990]} فيه الأولون والآخرون من جميع العباد .
ولما كان ذكر أعز{[22991]} ما عند الإنسان أتبعه ما يليه{[22992]} وبدأ منه بمن جمع{[22993]} إلى ذلك الهيبة فقال : { أو } أي أو كان ذلك القسط على { الوالدين } وأتبعه ما يعمهما وغيرها فقال : { والأقربين } أي من الأولاد وغيرهم ، ثم علل ذلك بقوله : { إن يكن } أي المشهود له أو عليه { غنياً } أي ترون الشهادة له بشيء{[22994]} باطل دافعة ضراً منه للغير من المشهود عليه أو غيره ، أو مانعة{[22995]} فساداً أكبر{[22996]} منها ، أو عليه بما{[22997]} لم يكن صلاحاً{[22998]} طمعاً في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك { أو فقيراً } فيخيل{[22999]} إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى منه تسكن فتنة { فالله } أي ذو الجلال والإكرام { أولى بهما } أي بنوعي الغني والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم ، فهو المرجو لجلب النفع ودفع الضر بغير ما ظننتموه ، فالضمير من الاستخدام ، ولو عاد للمذكور لوحد{[23000]} الضمير لأن المحدث عنه واحد مبهم{[23001]} .
ولما كان هذا ، تسبب عنه قوله : { فلا تتبعوا } أي تتكلفوا تبع { الهوى } وتنهمكوا{[23002]} فيه انهماك المجتهد{[23003]} في المحب له { أن } أي إرادة أن { تعدلوا } فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك .
ولما كان التقدير : فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن{[23004]} الله كان عليكم قديراً ، عطف عليه قوله : { وإن تلوا } أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعاً من التحريف أو تديروا{[23005]} ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلاً ، وقرأ ابن عامر وحمزة بضم اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على وجه من العدل ، أو الليّ { أو تعرضوا } أي عنها وهي{[23006]} حق فلا تؤدوها لأمر ما { فإن الله } أي المحيط علماً وقدرة { كان } أي {[23007]}لم يزل ولا يزال{[23008]} { بما تعملون خبيراً * } أي بالغ العلم باطناً وظاهراً ، فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه ، فاحذروه إن خنتم{[23009]} ، وارجوه إن وفيتم ، وذلك بعد ما{[23010]} مضى من{[23011]} تأديبهم على وجه الإشارة والإيماء من غير أمر ، وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام الختامين : ختام هذه بصفة{[23012]} الخبر ، وتلك بصفتي{[23013]} السمع والبصر .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) . هذا أمر من أوامر الله للمؤمنين بأن يلتزموا بالعدل في القضاء أو الحكم أو الشهادة ، فإن عليهم أن يعدلوا مهما تكن الظروف وكائنا من كان المشهود عليه . وقوله : ( قوامين ) خبر منصوب مفردها قوّام ، وهو مبالغة من حيث الصيغة . والقوّام الذي يكون كثير القيام . واشتراط القيام المطلوب أن يكون بالقسط من غير التفات لأي اعتبار من الاعتبارات . وقوله : ( شهداء ) منصوب على أنه صفة القوامين . وقيل منصوب على الحال والأول أقوى .
وقوله : ( شهداء لله ) أي أن تأتي الشهادة بالقسط من أجل مرضاة الله وفي سبيله . والعدل أصل ركين أكبر من الأصول التي دعا إليها الإسلام . وهو أصل قامت عليه السماوات والأرض ، وبالتالي قامت الحياة وما في وسطها من خلائق وكائنات . ذلك كله قد جاء بالحق والعدل ، فضلا عن حكمة الله البالغة المقدورة فيما أراد وفيما قدّر وخلق .
وقوله : ( ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) حقيقة الشهادة بالقسط توجب ألا يتزحزح الشاهد عن كلمة الحق قيد أنملة فلا يحرّف ولا يبدّل ولا يكتم ، فإن كان كذلك كان عن المقسطين ، على ألا يجنح في الشهادة للسقوط في الهوى تحت ضاغط مؤثر من عاطفة الأنانية للذات أو الوالديّة التي تشد المرء نحو أبيه شدا ، أو القرابة التي تثير في نفس الشاهد فيضا من الإشفاق والحياء . ولقد ذكرت الآية أصنافا ثلاثة من الناس هم أدنى الخلق إلى الشاهد ، وقد جاء ذكرهم بالتحديد ؛ لأنهم مظنّة التهمة بما يثير الشك أو الريبة لدى النطق بالشهادة في أي ظرف من الظروف .
وقوله : ( ولو على أنفسكم ) ينبغي للشاهد لدى النطق بالشهادة أن يقول الحق حتى وإن كان في ذلك ما يجعله مدينا فعلا . وذلك شرف له أمام الخالق إذ يكتبه من الصادقين الثابتين الذين ينطقون بالحق . وكفى بمثل هذا المرء أن يبوء بالفضل من الله والمثوبة وليكن بعد ذلك ما يكون مما يتصوره البشر عسيرا لا يطاق .
وقوله : ( أو الوالدين والأقربين ) ( أو ) أداة عطف وما بعدها معطوف على أنفسكم . وذكر الوالدين فيه تأكيد مشدّد على إرساء حقيقة العدل في الذهن أولا ثم في ساحة الواقع الذي تتزاحم فيه القضايا والمشكلات وتكتظ فيه الخصومات والنزاعات بلا انقطاع . وهناك تستبين عزائم المؤمنين الثابتين الذين لا يخشون في الله لوم لائم ، والذين يقولون الحق ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين وتستبين كذلك عزائم الضعاف والخائرين الذين تتهاوى فيهم الهمم والإرادات ليلوذوا بالمداهنة أو المصانعة تحت مطرقة الهوى الجارف الذي تلين أمامه أعصاب الكثيرين وهم تغشاهم غاشية من عاطفة حرّى أو حياء شديد .
قوله : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) اسم كان محذوف وتقديره المشهود عليه . فلا ينبغي أن تتأثر الشهادة بحال المشهود عليه سواء كان غنيا أو فقيرا . فإن كان غنيا روعي لغناه رهبة أو قلقا ، وإن كان فقيرا روعي لفقره عطفا وحدبا . فإن الشهادة لا تتقوّم على شيء من مثل هذه الاعتبارات وإنما تتقوّم على أساس موضوعي بحت لا تراعى فيه حالات الغنى والفقر أو الحسب والنسب أو الصهرية أو بقية الروابط القائمة على الشهوة والهوى . ينبغي أن تقوم الشهادة بقسط لا يعرف الميل أو الزيغ فإن كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فإن الله جل وعلا لهو أولى بكل واحد منهما ، ولن يكون الشاهد أكثر عطفا أو حدبا عليه من الله ، فالله وحده هو الذي يتولّى مثل هؤلاء وما على الشهداء إلا أن يؤدّوا الشهادة على وجهها الصحيح .
وقوله : ( أن تعدلوا ) أي لئلا تعدلوا . وذلك متعلق بما قبله ، فالله يحذّر من اتّباع الهوى ، الذي يضيع معه العدل أو أنه إذا اتّبع الهوى رفع العدل .
قوله : ( وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) قوله : ( تلوا ) من الليّ وأصله اللّوي ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ليا . واللّي هو الميل والتحريف في الشهادة عن وجهها الصحيح ، وذلك من الزور ومعناه الانحراف عن الحق والميل في الشهادة إلى الباطل . وذلك من أكبر الكبائر التي ندد بها الإسلام وحذّر من بشاعتها وفظاعتها التي يتجرجر بها الشاهد المفتري في جهنّم جزاء ما اقترف من كذب وتزييف . أما الإعراض عن الشهادة فهو كتمانها ورفض الإدلاء بها وهو حرام لقوله تعالى : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) . وفي ذلك دلالة على وجوب أداء الشهادة عند لزومها أو عند حصول ما يدعو إليها ، فإن مجرد إخفائها وتركها طيّ الكتم في الصدر غير جائز .
وقد حذّر الله المخالفين الذين يتبعون الهوى فيلوون في الشهادة أو يعرضون عنها بقوله : ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) فهو سبحانه عالم بما تنطوي عليه القلوب من شهادات مكتومة حبيسة أو بما اجترحته نفوس الكاذبين من ازورار وتحريف في الشهادة . الله جل جلاله مطلع على هؤلاء الزائغين فمجازيهم الجزاء المفروض .