نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (19)

ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده ، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة ، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه ، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر ، ليكون ذلك سبب سعادته{[32049]} ، فقال عطفاً على { اخرج منها } : { ويا آدم اسكن } ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به{[32050]} عن بعض من يلابسه ، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل : { أنت وزوجك الجنة } .

ولما كان السياق هنا للتعريف بأنه مكن{[32051]} لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارناً لوجوده ؛ ثم حسن في قوله : { فكلا } العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان ، لم يتأخر عنه ، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة ، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو ، ولا منافاة بين النوع والجنس ، و{[32052]}قوله : { من حيث شئتما } بمعنى رغداً أي واسعاً ، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه ، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان ، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده ؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال{[32053]} : { ولا تقربا } أي فضلاً عن أن تتناولا { هذه الشجرة } مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها ؛ ثم سبب عن القربان العصيان ، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال : { فتكونا } أي بسبب قربها { من الظالمين* } أي بالأكل منها الذي هو{[32054]} مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام{[32055]} ؛


[32049]:- في ظ: سعادة.
[32050]:- من ظ، وفي الأصل: التجويز.
[32051]:- سقط من ظ.
[32052]:- في ظ: في.
[32053]:- زيد من ظ.
[32054]:- سقط من ظ.
[32055]:??????/
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (19)

قوله تعالى : { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين 19 فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين 20 وقاسهما إني لكما لمن الناصحين } .

بعد أن أخرج الله إبليس من الجنة وأهبطه الأرض صاغرا مهينا ، قال لآدم وزوجه حواء : { اسكن أنت وزوجك الجنة } . وذلك من السكن ، بالتحريك وهو الرحمة والبركة . ومنه السكينة ؛ أي الطمأنينة والوداع والوقار{[1353]} فقد أمرهم الله بالبث في الجنة ليستقرا فيها آمنين مطمئنين ، تحف بهما الراحة والرحمة وتجللهما الوداعة والطمأنينة ؛ إذ يمكثان في خير معاش وأكرم حياة مما لا يتصور بشر . حياة حافلة بالهناءة واليمن والاستقرار . يضاف إلى ذلك كله ما تشتهيه أنفس بني آدم وهو الطعام بأصنافه وأشكاله على اختلاف طعومه ومذاقه ؛ فقد أتاح الله لآدم وزوجه أن يأكلا مما شاءا من الجنة بكل أنعمها وخيراتها باستثناء شجرة معينة نهاهما عن الأكل مما شاءا من الجنة بكل أنعمها وخيراتها باستثناء شجرة معينة نهاهما عن الأكل منها نهيا باتا مؤكدا ؛ إذ قال ك { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } أي فتصير من الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان والمخالفة عن أمر الله .

أما نوع الشجرة أو اسمها فغير معلوم على نحو قطعي مجزوم ، لوروده في الآية مبهما لإطلاقه ؛ فهو غير مخصص ولا مبين . وكل الذي نعلمه في هذه المسألة أن المنهي عن قرابة أو الأكل منه إن هو إلا شجرة . وما يقل من تأويلات في نوعها وحقيقتها ليس إلا ضربا من الظن الذي لا يغني ، فضلا عن أن الخوض في مثل ذلك لا يغني ولا يجدي ولا يزيد من أهمية القصة شيئا ولو كان في الحديث عن اسم الشجرة ما يجدي أو ينفع لبينه الله سبحانه .


[1353]:القاموس المحيط جـ 4 ص 237 ومختار الصحاح ص 307.