ولما بين أنهم كافون مكفيون ، وكان ذلك مشروطاً بفعل الكيس والحزم وهو الاجتهاد بحسب الطاقة ، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال ، فقال {[35264]}معبراً بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه{[35265]} : { يا أيها النبي } أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح {[35266]}من إخبارنا{[35267]} بكل ما يقر عينه وعين أتباعه { حرض المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان { على القتال } أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه ، ومادة حرض - بأيّ ترتيب كان - حرض ، حضر ، رحض ، رضح ، ضرح ؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة ، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد ، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك ، أي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حياً ، ورحض الثوب ، أي غسله ، من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين ، والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول ، والمرضاح الحجر{[35268]} الذي لا يزال حاضراً لرضح النوى ، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازماً له دائماً إلى الوقت المعلوم ، ويلزمه الرمي والطول ، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور{[35269]} لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه ، والرجل الكريم لعلو همته ، وأحضرت الدابة : عدت فجعلت الغائب حاضراً ، والتحريض الحث على حضور الشيء ، فحرض على القتال : حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر ، متى قيل : يا صباحاه ! طار إلى المنادي ، وكان أول حاضر إلى النادي ، لأنه لا مانع {[35270]}له من شيء من الأشياء{[35271]} بل استعداده استعداد الحاضر في الصف ؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني{[35272]} في تفسيره : والتحريض : الدعاء الوكيد لتحريك النفس على أمر من الأمور ، والحث والتحريض والتحضيض نظائر ، ونقيضه التفسير ، والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - انتهى .
فهذه حقيقته ، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي .
ولما ندبهم إلى القتال ، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن{[35273]} لازموا آلة النصر ، فقال اسئنافاً جواباً لمن قال : ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك ؟ : { إن يكن } ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد ، عدل عن الغيبة فقال : { منكم عشرون } أي رجلاً : { صابرون } أي الصبر المتقدم { يغلبوا مائتين } أي من الكفار ، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم { وإن يكن منكم مائة } أي صابرة { يغلبوا ألفاً } أي كائنين { من الذين كفروا } فالآية{[35274]} من الاحتباك : أثبت في الأول وصف الصبر دليلاً على حذفه ثانياً ، وفي{[35275]} الثاني الكفر دليلاً على حذفه أولاً ؛ ولعل{[35276]} ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض ، أي حرضهم لأني أعنت كلاً منهم على عشرة ، فلا عذر لهم في التواني ؛ وعلل علوهم عليهم{[35277]} وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله : { بأنهم } أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم ، أي الكفار { قوم لايفقهون* } أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان ، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح ، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر ، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب ، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح ، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستنداً إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفاً ، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطرباً ، فإنهم يكونون صوراً لا معاني لها ، والصور منفعله لا فعالة ، والمعاني هي الفعالة ، والمعتمد على الله صورته مقترنة بالمعنى ، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط{[35278]} عليه الأمر في الجهاد ، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب{[35279]} وأنظاره{[35280]} على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم ، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله ، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته{[35281]} ، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامة ، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة{[35282]} ، وأن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله إنما هو{[35283]} درء لأعظم المفسدتين ، فصار استناد الخوارج إلى ملك الملوك اعظم من استناد أولئك ، {[35284]}ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر ، ونشأ عن استناد أولئك{[35285]} الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان ، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة ، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم : إنها ساعة نحس ، أن سار فيها خذل ، فقال : سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون ، فلما لقي الخوارج لم{[35286]} يواقفوه حلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان ؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى { إن يكن منكم عشرون } – الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله : { الآن خفف الله . . . }
قوله : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } { حرض } ، من التحريض وهو الحث والإحماء{[1690]} يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحث المؤمنين ويحضهم حضا على قتال الأعداء في شجاعة وإقدام ؛ فلا يجبنوه ولا ينثنون ولا يتخاذلون ولا يولون الأدبار عند اللقاء ؛ فإنه لا يولي دبره عند اللقاء خائرا إلا الأنذال والخاسرون . ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض المؤمنين على القتال وعند مواجهة عدوهم . ونظير ذلك ما قاله لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في أعدادهم وجموعهم : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ) .
قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون } ذلك تبشير من الله للمؤمنين بالنصر إن واجه الواحد منهم العشرة من الكافرين . لسوف ينصر الله المؤمنين على قلتهم إن كانوا صابرين ثابتين محتسبين . ثم نسخ هذا التكليف وبقيت البشارة وذلك أنه شق عليهم حين فرض الله عليهم أن لا يفر الواحد منهم من العشرة من الكافرين في القتال . وروي عن ابن عباس قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } شق ذلك على المسلمين حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ثم جاء التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم } إلى قوله : { يغلبوا مائتين } وروي البخاري نحوه . وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين . ثم خفف الله عنهم فقال : { لآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين .
وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس : نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ، ومائة ألفا . فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم . وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم .
قال القرطبي في ذلك : حديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ولما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين . فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ؛ فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن{[1691]} .
قوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } أي بسبب أن الكافرين سخفاء ، وأنهم تافهون أشقياء يقاتلون في سبل الشيطان ، ويموتون من أجل الباطل ؛ حيث الأهواء والشهوات والسفاسف الرخيصة ، غير عابئين بمرضاة الله ولا مكترثين بأيما احتساب للثواب عنده ؛ فلا يستحقون بذلك من الله نصرا . إنما النصر للمؤمنين الذين يقاتلون على بصيرة طلبا لمرضاة الله وسعيا لنشر الحق والعدل وإشاعة الفضيلة والرحمة بين الناس .
وقد بينا آنفا أن الله خفف عن المسلمين في عدد الذين يتوجب عليهم الثبات عند اللقاء فلا يفرون ؛ فأوجب عليهم أن لا يفر الرجل من الرجلين ، وأن تصبر العشرة للعشرين ، والمائة للمائتين ، فإنهم ؛ إن أعدوا وصبروا وتوكلوا على الله ، فإن الله ناصرهم ، وهازم عدوهم{[1692]} .