نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

{ وألف بين قلوبهم } بعد غاية التباغض ، فصار البعيد منهم قريباً والبغيض حبيباً والعدو صديقاً ، وكانوا على قلب واحد ؛ ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لولا هو فقال : { لو أنفقت } أي وأنت أتقن الخلق لما تصنعه{[35248]} { ما في الأرض جميعاً } أي في إرادة ذلك { ما ألفت بين قلوبهم } ثم أكد ذلك بقوله : { ولكن الله } أي وهو الذي له جميع صفات الكمال { ألف بينهم } ثم{[35249]} علل نفوذ{[35250]} {[35251]}فعله و{[35252]} أمره فيه بقوله : { إنه عزيز حكيم* } أي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئاً منه لما تألفوا بعد أن كان قبل{[35253]} كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما بينهم من الإحن التي لا تزال{[35254]} تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع المجاورة المقتضية لدوام التحاسد وإثارة الضغائن ، وكذا فعل سبحانه بجميع العرب بعدما كان بينهم من {[35255]}القتل المنتشر{[35256]} مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على الانتقام .

والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة والقوة ، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك ، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه غير مفكرين في عاقبته ، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون .


[35248]:من ظ، وفي الأصل: يصنعه.
[35249]:زيد من ظ.
[35250]:زيد من ظ.
[35251]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35252]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35253]:سقط من ظ.
[35254]:في ظ: لا تزول.
[35255]:في ظ: القفل المنشر.
[35256]:في ظ: القفل المنشر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} (63)

قوله : { وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } ألف بمعنى جمع . من الألفة وهي الاجتماع والالتئام . تألف فلانا وائتلفه ؛ أي استماله . وألف الشيء ؛ وصل بعضه ببعض . وألف قلبه ؛ أي استماله{[1686]} .

لقد جمع الله بين قلوب العرب بعد أن كانت متنافرة متباغضة . وبعد أن كانوا على العصيبة الجاهلية المقيتة ، المبينة على محض التعصب السخيف ، التعصب للعائلة والعشيرة في كل الأحوال ، سواء في الحق أو الباطل . لقد جمع الله بين الناس في زمن ما كان يشيع فيه غير الحمية الظالمة المجانبة لأبسط بدهيات المنطق أو التفكير السليم ، والتي لا تعبأ بالحق أو الصدق أو العدل أيما إعباء . حتى إذا جاء الإسلام العظيم بعقيدته الكريمة الحليمة السمحة ، وتشريعه الواسع الميسور ، اجتمع الناس ليكونوا أمة واحدة متساندة متعاونة منسجمة تجمعها عقيدة التوحيد الخالص ، ويوحدها الشعور الفياض بالإيمان بالله وبصدق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم . وهكذا يجمع الله بين الناس عقب تنافرهم وتناحرهم والتجافي بينهم . يجمعهم على العقيدة وحدها دون غيرها من الأسباب . ولن يستطيع أيما أحد أن يؤلف بين قلوب العباد مهما بذل من الأسباب لتحقيق هذا المقصود . وهو قوله : { لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } أي لو بذلت للتأليف بين قلوب العرب ملء الأرض من المال والذهب والعروض ؛ لما جمعت بين قلوبهم بهذا السبب ، ولما استطعت أن تبدد من قلوبهم رواسب المحبة الجاهلية وآثار التعصب الغاشم المنكود . ولا يغرن أحدا ما تتظاهر به الأمم فيما بينها من التئام وانسجام ؛ فليس ذلك إلا الظاهر المموه المصطنع القائم على الأثرة المطلقة والتقديس الأكبر للأهواء والشهوات ومختلف المنافع الدنيوية العاجلة . ثم لا يلبث هؤلاء المتظاهرون أن يأتي عليهم الانهيار والدمار ، أو التبدد والزوال ولو بعد حين .

قوله : { ولكن الله ألف بينهم } الله وحده الذي يجمع بين قلوب العباد لتكون متوادة متؤتلفة . وذلك بدينه الأكرم . دين الإسلام الذي جاء ليشيع المودة والرحمة بين الناس ولينشر في القلوب رباط المحبة والتآلف كيما يكون الناس جميعا على قلب رجل واحد فلا يجمعهم غير شعار العقيدة جامع . ولا يؤثر فيهم غير إحساس الإسلام . فلا يستجيبون بعد ذلك لنداءات الضلال والباطل . النداءات الظالمة المريبة التي يهتف بها الضالون المظلون من شياطين البشر . أولئك الذين تنثني صدورهم على الكيد للبشرية ليضلوها ضلالا ، وليودوا بها متاهات الضياع والفساد والخسران .

قوله : { إنه عزيز حكيم } الله قوي لا يقهره شيء ، بل إنه هو الذي يقهر كل أحد . وهو الذي يقهر أعداءه أعداء الدين من المخادعين والخائنين . وهو كذلك حكيم يعلم ما ينبغي أن تكون عليه الأفعال والأحكام والأمور{[1687]} .


[1686]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 24.
[1687]:تفسير الرازي جـ 15 ص 193- 196 والكشاف جـ 2 ص 166 وتفسير الطبري جـ 10 ص 25، 26 وتفسير البيضاوي ص 244 وتفسير النسفي جـ 2 ص 110.