نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ} (70)

ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى عليه الصلاة والسلام و -{[49491]} ]حذف ذكر الإلقاء وما سببه من التلقف لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية{[49492]} : { فألقي السحرة } أي فألقاهم ما رأوا من أمر الله {[49493]}بغاية السرعة وبأيسر أمر { سجداً } على وجوههم ؛ {[49494]}قال الأصبهاني : سبحان الله ! ما أعظم شأنهم ! ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقائين{[49495]} . فكأن قائلاً قال : هذا فعلهم فما قالوا ؟ فقيل : { قالوا آمنا } أي صدقنا .

ولما كان سياق هذه السورة مقتضياً لتقديم هارون عليه السلام قال : { برب هارون وموسى* } بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا القرآن بل يهدي الناس به{[49496]} ويذلهم له ، فيجعل العرب على شماختها{[49497]} أذل شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس ، وقبائلهم أقل القبائل ، مع ما في ذلك من الدليل على صدق إيمانهم وخلوص ادعائهم بتقديم الوزير المترجم ترقياً في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى من أمره بذلك ثم إلى من أرسله شكراً للمنعمين بالتدريج

" لا يشكر الله من لم يشكر الناس " وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط ، وذكروا اسم الرب إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة ، وعلى من كانوا يقرون بالربوبية ، وهو فرعون الذي لم{[49498]} يغن عنهم شيئاً ، فكانوا أول النهار سحرة ، وآخره شهداء{[49499]} بررة ، وهذه الآية في أمثالها من أي هذه السورة وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء{[49500]} من المعاني دقيقة ، هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول : إن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع ، وتبعه جمع من المتأخرين تقليداً ، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك{[49501]} حين قال : " سجع كسجع الجاهلية أو قال : الكهان " وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ينتظم إلا بتقديم هارون ، ويؤيد ذلك أنه قال هنا { إنا رسولا } وفي الشعراء { رسول } ، وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيان في سورة فاطر من النهر{[49502]} : لا يقال في شيء من القرآن : أنه قدم أو أخر لأجل السجع ، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ ، بل فيه وفي المعنى ، و{[49503]}قال القاضي أبو بكر الباقلاني{[49504]} في كتاب إعجاز القرآن : ذهب أصحابنا{[49505]} كلهم إلى نفي السجع من القرآن وذكره{[49506]} أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ، ثم رد على المخالف بأن قال : والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم ، لأنه قد يكون الكلام على مثال السجع وإن لم يكن سجعاً لأن السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدي السجع . وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن ، لأن اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى ، وفصل{[49507]} بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظماً دون اللفظ . ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره . ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلباً لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى ، ثم استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله ، وقد تقدم في آخر سورة التوبة{[49508]} ما ينفع جداً في هذا المرام .


[49491]:زيد من مد.
[49492]:العبارة من "بعد أن" إلى هنا ساقطة من ظ.
[49493]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49494]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49495]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49496]:زيد من ظ ومد.
[49497]:في ظ: سماحتها.
[49498]:في مد: لا.
[49499]:بهامش ظ: ومراد الشيخ بالشهداء ليس المقتولين لما ينص عليه بعد، بل هؤلاء بمنزلة الشهداء في العلو والرفعة فليفهم ذلك.
[49500]:بين سطري ظ: لوجوه.
[49501]:بين سطري ظ: أي السجع.
[49502]:الماد من البحر المحيط وبهامش ظ: قوله "من النهر" المضاف إليه...سورة أي سورة فاطر هو النهر – كذا.
[49503]:زيد من ظ ومد.
[49504]:هو محمد ابن الطيب بن محمد بن جعفر ابن القاسم البصري ثم البغدادي المتوفى سنة 304 – راجع معجم المؤلفين 10 / 109.
[49505]:بين سطري ظ: أي الأشاعرة.
[49506]:من ظ ومد وفي الأصل: ذكر.
[49507]:بين سطري ظ: فرق.
[49508]:في ظ ومد : براءة.