نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا} (132)

ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام : { ولله } أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة { ما في السماوات } وأكد لمثل ما{[22964]} مضى فقال : { وما في الأرض } أي هو قائم بمصالح ذلك كله ، يستقل بجميع أمره ، لا معترض عليه ، بل هما وكل من{[22965]} فيهما مظهر العجز عن أمره ، معلق{[22966]} مقاليد نفسه وأحواله إليه{[22967]} طوعاً أو كرهاً ، فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ والقبض والبسط ، ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال : { وكفى بالله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { وكيلاً * } أي قائماً بالمصالح قاهراً متفرداً بجميع الأمور ، قادراً على جميع المقدور ، وقد بان - كما ترى - أن جملة " لله " المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلاً على شيء غير الذي قبله وكررت ، لأن الدليل الواحد إذا كان دالاً على مدلولات كثيرة يحسن أن يستدل به على كل واحد منها . وإعادته{[22968]} مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة واحدة ، لأن عند إعادته{[22969]} يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول ، فيكون العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل ؛ وفي ختم{[22970]} كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر ، فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والاستدلال عل صفات الكمال ، لأن الغرض الكلي من هذا الكتاب صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه ، وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده ، فكان في غاية الحسن والكمال .


[22964]:في ظ: بما.
[22965]:من ظ ومد، وفي الأصل: ما.
[22966]:في ظ: ملق ـ كذا.
[22967]:سقط من ظ.
[22968]:من ظ ومد، وفي الأصل: أعادت.
[22969]:زيد في ظ: مع كل واحد.
[22970]:سقط من ظ.