نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (36)

ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه وإذلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل{[58410]} شيء قدرة وعلماً ، تسبب عن ذلك حتماً قوله تعالى : { فللّه } أي الذي له الأمر كله { الحمد } أي الإحاطة بجميع صفات{[58411]} الكمال . ولما أبان سبحانه{[58412]} أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر ، أثبت أنه له بالإحسان والتدبير فقال تعالى : { رب السماوات } أي ذات العلو والاتساع والبركات . ولما كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال ، وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على-{[58413]} أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر{[58414]} أمرهم في الهوى ، أعاد ذكر الرب تأكيداً وإعلاماً أن له في كل واحد من الخافقين أسراراً غير ما له في الآخر{[58415]} ، فالتربية متفاوتة بحسب ذلك ، وأثبت العاطف إعلاماً بأن كمال قدرته في ربوبيته {[58416]}للأعلى والأسفل{[58417]} على حد سواء دفعاً لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى{[58418]} : { ورب الأرض } أي ذات القبول للواردات .

ولما خص الخافقين تنبيهاً على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها ، عم تنبيهاً على {[58419]}أن له{[58420]} وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا الله {[58421]}سبحانه وتعالى{[58422]} فقال مسقطاً العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة ، وذلك لا يخرج عنه شيء من الخلق ؛ لأنه إما أن يكون علوياً أو سفلياً { رب العالمين * } فجمع ما مفرده يدل على جميع الحوادث ؛ لأن العالم ما سوى الله . تنبيهاً على أصنافه وتصريحاً بها وإعلاماً بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا البعض بدلالة التضمن ، وأعاد ذكر الرب تنبيهاً على أن حفظه للخلق وتربيته لهم ذو ألوان بحسب شؤون{[58423]} الخلق ، فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء آخر ، وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه-{[58424]} لكل جزء على حدته ، مع أن الكل بالنسبة إلى تمام القدرة على حد سواء .


[58410]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لكل.
[58411]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أوصاف.
[58412]:سقط من م ومد.
[58413]:زيد من م ومد.
[58414]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لحصر.
[58415]:من ظ ومد، وفي الأصل و م: الآخرة.
[58416]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الأعلى للأسفل.
[58417]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الأعلى للأسفل.
[58418]:زيد في الأصل: مبينا وهو هنا لهذا الإشكال الواهي، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[58419]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: انه.
[58420]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أنه.
[58421]:في م ومد: هو.
[58422]:في م ومد: هو.
[58423]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: سويل –كذا.
[58424]:زيد من م ومد.