التفسير الحديث لدروزة - دروزة  
{لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (34)

{ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذقاهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون 33 ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون 34 أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون 35 وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون 36 أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 37 } [ 33-37 ] .

في الآيات :

1- إشارة تنديدية إلى ما يبدو من الناس من تناقض فإذا أصابهم ضرر وبلاء لجأوا إلى الله وحده يدعونه لكشف ما نزل بهم ، ثم إذا كشف النازلة عنهم ونالوا خيرا ورحمة جنح فريق منهم إلى الشرك بالله واعتقاد تأثير الغير فيما نالوه .

2- وإنذار للمشركين : فإن إشراكهم غير الله دليل عل كفرهم بنعمته ورجوعهم عن الإخلاص له . فليكفروا ما شاء لهم كفرهم وليتمتعوا بما نالوه ردحا من الزمن فلسوف يرون ويعلمون نتيجة هذا الكفر وشؤمه عليهم .

3- وتساؤل استنكاري عما إذا كانوا يستندون في شركهم إلى برهان ووحي رباني .

4- وإشارة تنديدية أخرى إلى ما يبدو من الناس أيضا من فرح وبطر في حالة اليسر والنعمة وقنوط وحزن في حالة الشدة والضراء .

5- وتساؤل فيه معنى التعقيب والتقرير بأن الحالتين هما من الله فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء أحيانا ويضيقه على من يشاء أحيانا ، وهو ما ينبغي أن يكون مفهوما ؛ لأنه مألوف مشاهد ، ولأن فيه آيات وحكمة ربانية يفهمها ويسلم بها الذين يؤمنون بالله وحده .

والآيات وإن كانت مطلقة التوجيه للناس أو السامعين فإنها تضمنت التنديد بالمشركين صراحة ، وتضمنت حكاية مواقف نسبتها إليهم آيات أخرى في سور أخرى مر تفسيرها حيث كانوا يدعون الله وحده مخلصين له الدين في الشدة ويعودون إلى شركهم بعد الخلاص منها . فهي من هذه الناحية متصلة اتصالا استطراديا بالسياق السابق الذي انتهى بالتنديد بالمشركين كما هو المتبادر .

ولا يبعد أن يكون وقع على المشركين بلاء أخافهم وجعلهم يدعون الله وحده فلما انكشف عنهم عادوا إلى شركهم في ظروف نزول السورة فكانت مناسبة محكمة لهذه الآيات الاستطرادية . وبعد قليل من هذه الآيات تجيء آيات عن المطر وأثره وأثر انحباسه في الناس وخوفهم وبأسهم واستبشارهم فلعل البلاء هو انحباس المطر فدعوا الله ثم عادوا إلى شركهم أو قدموا القرابين إلى أوثانهم عند هطوله .

والراجح أن المعنى بالشرك هنا هم الملائكة ، وروح الآية التالية تلهم ذلك . فالعرب كانوا يرون بإشراك الملائكة مبررا من حيث اتصالهم بالله ومن حيث كونهم إنما يتخذونهم شفعاء لديه فطالبتهم الآية بالبرهان على ما يذهبون إليه من عقيدة باطلة .

وفي الآية الأخيرة تلقين جليل . فالإيمان يحدث في نفس صاحبه سكينة وطمأنينة ورضاء في حالتي السراء والضراء فلا تبطره النعمة ولا تؤيسه النقمة . وفي ذلك من القوة الروحية ما فيه .

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا وصفه بالصحيح{[1625]} جاء فيه : ( عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) . حيث ينطوي على تلقين نبوي متساوق مع التلقين القرآني كما هو الشأن في مختلف الشؤون .


[1625]:هذا الحديث من مرويات الإمام مسلم.