جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا} (109)

{ يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا{[3204]} } : شفاعة { مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ{[3205]} } ، أو لا تنفع الشفاعة أحدا{[3206]} إلا من أذن في أن يشفع له { وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا{[3207]} } : رضي الله قوله عن ابن عباس يعني من قال لا إله إلا الله ، أو رضي قوله لأجله أو رضي لمكانته عند الله قوله في الشفاعة .


[3204]:فالاستثناء مرفوع بالبدلية /12.
[3205]:فيه أنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله وأنه تعالى لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله وأنه تعالى لا يرضى إلا التوحيد ولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد كما صرحت بذلك النصوص فروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعا "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه"، وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من عند ربي فخيرني بني أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا" رواه الترمذي وابن ماجه فأسعد الناس بشفاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل التوحيد الذين جردوا التوحيد وأخلصوه من التعلقات الشركية، وهم الذين ارتضى الله سبحانه قال تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" (الأنبياء:28)، وأما الشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، ولا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه سبحانه علقها بأمرين: رضاه عن المشفوع له، وإذنه لشافع، فما يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة قاله الشوكاني/12.
[3206]:فهو منصوب على المفعولية.
[3207]:قوله "رضي له قولا" قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني قدس الله سره العزيز في بعض فتواه: وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال قد بسطت في غير هذا الموضع فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي سبب اتصال الشافع بالمشفوع له كما ذكر ذلك أبو حامد وغيره، ويقولون: من كان أكثر صلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أحق بالشفاعة من غيره، وكذلك من كان أحس ظنا بشخص، وأكثر تعظيما له كان أحق بشفاعته، وهذا غلط، بل هذا هو قو ل المشركين الذين قالوا نتولى الملائكة ليشفعوا لنا يظنون أن من أحب أحدا من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه كان ذلك سببا لشفاعته له، وليس كذلك، بل الشفاعة سببها توحيد الله وإخلاص الدين له، فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة، فإن الشفاعة من الله مبدؤها، وعلى الله تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، وهو الذي يقبل شفاعته وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من رحمه من عباده وأحق الناس برحمته أهل التوحيد، والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق كلمة الإخلاص ـ لا إله إلا الله ـ كان أحق بالرحمة، والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخفت موازينهم فاستحقوا النار من كان منهم من أهل لا إله إلا الله فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته الله تعالى إماتة فتحرقه إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة ويدخله الجنة كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة فبين أن مدار الأمر كله على كلمة الإخلاص وهي ـ لا إله إلا الله ـ لا على الشرك كما ظنه الجاهلون، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع انتهى/.