الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ} (12)

قوله : { ذُو الأَوْتَادِ } : هذه استعارةٌ بليغةٌ : حيث شبَّه المُلْكَ ببيت الشَّعْر ، وبيتُ الشَّعْرِ لا يَثبتُ إلاَّ بالأوتادِ والأطناب ، كما قال الأفوه :

والبيتُ لا يُبْتَنى إلاَّ على عمدٍ *** ولا عمادَ إذا لم تُرْسَ أوتادُ

فاسْتعير لثباتِ العزِّ والمُلْكِ واستقرار الأمر ، كقول الأسود :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** في ظلِّ مُلْكٍ ثابتِ الأَوْتاد

والأَوْتادُ : جمعُ وَتِد . وفيه لغاتٌ : وَتِدٌ بفتح الواو وكسرِ التاءِ وهي الفصحى ، ووَتَد بفتحتين ، ووَدّ بإدغام التاء في الدال قال :

تُخْرِجُ الوَدَّ إذا ما أَشْجَذَتْ *** وتُوارِيْه إذا ما تَشْتَكِرْ

و " وَتَّ " بإبدالِ الدالِ تاءً ثم إدغام التاء فيها . وهذا شاذٌّ لأنَّ الأصلَ إبدالُ الأولِ للثاني لا العكسُ . وقد تقدَّم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قولِه تعالى : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ } [ آل عمران : 185 ] . ويُقال : وَتِدٌ واتِدٌ أي : قويٌّ ثابت ، وهو مِثْلُ مجازِ قولهم : شُغْل شاغِلٌ . وأنشد الأصمعي :

لاقَتْ على الماءِ جُذَيْلاً واتِداً *** ولم يَكُنْ يُخْلِفُها المَواعدا

وقيل : الأوتادُ هنا حقيقةٌ لا استعارةٌ . ففي التفسير : أنه كان له أوتادٌ يَرْبط عليها الناسَ يُعَذِّبُهم بذلك . وتقدم الخلافُ في الأَيْكة في سورة الشعراء .