الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ} (6)

قوله : { أَنِ امْشُواْ } : يجوزُ أَنْ تكونَ " أنْ " مصدريةً أي : انطلقوا بقولِهم : أن امْشُوا وأَنْ تكونَ مفسِّرةً : إمَّا ل انطلق لأنه ضُمِّنَ معنى القول . قال الزمخشريُّ : " لأنَّ المنطلقين عن مجلس التقاوُلِ/ لا بُدَّ لهم أَنْ يتكلموا ويتفاوضوا فيما جَرَى لهم " . انتهى . وقيل : بل هي مفسِّرةٌ لجملةٍ محذوفةٍ في محلِّ حالٍ تقديرُه : وانطلقوا يتحاورون أن امْشُوا . ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً معمولةً لهذا المقدرِ . وقيل : الانطلاقُ هنا الاندفاعُ في القولِ والكلامِ نحو : انطلق لسانُه ، فأَنْ مفسرةٌ له من غير تضمينٍ ولا حَذْفٍ . والمَشْيُ : الظاهر أنه هو المتعارَفُ . وقيل : بل هو دعاءٌ بكثرة الماشيةِ ، وهذا فاسِدٌ لفظاً ومعنى . أمَّا اللفظُ فلأنَّه إنما يقال من هذا المعنى " أَمْشَى الرجلُ " إذا كَثُرَتْ ماشيَتُه بالألفِ أي : صار ذا ماشيةٍ ، فكان ينبغي على هذا أَنْ يقرأَ " أَمْشُوا " بقطع الهمزةِ مفتوحةً . وأمَّا المعنى فليس مراداً البتةَ ، وأيُّ معنى على ذلك ! !

إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعةُ وأقربُ معنًى ممَّا تقدَّم ، فقال : " ويجوزُ أنَّهم قالوا : امشُوا أي : اكثروا واجتمعوا ، مِنْ مَشَتِ المرأةُ : إذا كَثُرَتْ وِلادتها ، ومنه الماشيةُ للتفاؤل " . انتهى . وإذا وُقِفَ على " أنْ " وابْتُدِئ بما بعدَها فليُبْتَدَأْ بكسرِ الهمزةِ لا بضمِّها لأنَّ الثالثَ مكسورٌ تقديراً إذ الأصل : امْشِيُوا ثم أُعِلَّ بالحَذْفِ . وهذا كما يُبْتدأ بضم الهمزةِ في قولك " اغْزِي يا امرأةُ " . وإنْ كانت الزايُ مكسورةً لأنَّها مضمومةٌ في الأصل إذ الأصل : اغْزُوِي كاخْرُجي فأُعِلَّ بالحذفِ .