الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ} (14)

قوله : { أَن كَانَ } : العامَّةُ على فتح همزةِ " أنْ " ثم اختلفوا بعدُ : فقرأ ابنُ عامرٍ وحمزةُ وأبو بكر بالاستفهام ، وباقي السبعةِ بالخبر . والقارئون بالاستفهامِ على أصولِهم : مِنْ تحقيقٍ وتسهيلٍ وإدخالِ ألفٍ بين الهمزتَينْ وعدمِه . ولا بُدَّ مِنْ بيانِه لك تَسهيلاً للأمر عليك ، فأقول وبالله التوفيق : قرأ حمزةُ وأبو بكرٍ بتحقيق الهمزتَيْن وعدم إدْخالِ ألفٍ بينهما ، وهذا وهو أصلُهما .

وقرأ ابنُ ذكوانَ بتسهيلِ الثانيةِ وعدمِ إدخال ألفٍ ، وهشامٌ بالتسهيلِ المذكور ، إلاَّ أنَّه أدخل ألفاً بينهما فقد خالَفَ كلٌّ منهما أصلَه : أمَّا ابنُ ذكوان فإنه يُحَقِّقُ الهمزتَيْنِ فقد سَهَّل الثانية هنا . وأمَّا هشامٌ : فإنَّ أصلَه أن يُجْري في الثانية مِنْ هذا النحوِ وجهَيْنِ : التحقيقَ كرفيقِه ، والتسهيلَ . وقد التَزَمَ التسهيلَ هنا . وأمَّا إدخالُ الألفِ فإنه فيه على أصلِه كما تقدَّم أول البقرة .

وقرأ نافع في رواية الزبيدي عنه : " إنْ كان " بكسر الهمزة على الشرط .

فأمَّا قراءةُ " أَنْ كان " بالفتحِ على الخبرِ ففيه أربعةُ أوجهٍ ، أحدها : أنها " أنْ " المصدريةُ في موضع المفعولِ له مجرورةٌ بلامٍ مقدرة . واللامُ متعلِّقةٌ بفعلِ النهي ، أي : ولا تُطِعْ مَنْ هذه صفاتُه ؛ لأنْ كان مُتَموِّلاً وصاحبَ بنين . الثاني : أنها متعلقةٌ ب " عُتُلّ " ، وإن كان قد وُصِفَ ، قاله الفارسي ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين ، وكأن الفارسيَّ اغتفَره في الجارِّ . الثالث : أنْ يتعلَّق ب " زنيم " ولا سيما عند مَنْ يُفَسِّره بقبيح الأفعالِ . الرابع : أَنْ يتعلِّقَ بمحذوف يَدُلُّ عليه ما بعدَه مِنْ الجملةِ الشرطيةِ ، تقديره : لكونِه متموِّلاً مُسْتَظْهِراً بالبنين كَذَّب بآياتِنا ، قاله الزمخشري ، قال : " ولا يَعْمَلُ فيه " قال " الذي هو جوابُ " إذا " لأنَّ ما بعد الشرطِ لا يعملُ فيما قبلَه ، ولكن ما دَلَّتْ عليه الجملةُ مِنْ معنى التكذيب " . وقال مكي وتبعه أبو البقاء : " لا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ " تُتْلى " لأنَّ ما بعد " إذا " لا يعملُ فيما قبلها ؛ لأنه " إذا تُضاف إلى الجمل ، ولا يعملُ المضافُ إليه فيما قبل المضاف " انتهى . وهذا يُوهمُ أنَّ المانعَ من ذلك ما ذكره فقط ، والمانعُ أمرٌ معنويٌّ ، حتى لو فُقِدَ هذا المانعُ الذي ذكره لامتنعَ مِنْ جهةِ المعنى : وهو أنه لا يَصْلُحُ أَنْ يُعَلِّلَ تلاوةَ آياتِ اللَّهِ عليه بكونِه ذا مالٍ وبنين .

وأمَّا قراءةُ " أَأَنْ كان " على الاستفهام ، ففيها وجهان ، أحدُهما : أَنْ يتعلَّقَ بمقدَّر يَدُلُّ عليه ما قبلَه ، أي : أَتُطيعه لأَنْ كان أو أتكونُ طواعيةً لأَنْ كان . والثاني : أنْ يتعلَّقَ بمقدَّرٍ عليه ما بعده ، أي : لأَنْ كان كذا كَذَّبَ وجَحَدَ .

وأمَّا قراءةُ إنْ بالكسر فعلى الشرطِ ، وجوابُه مقدرٌ . تقديرُه : إن كان كذا يَكْفُرْ ويَجْحَدْ . دَلَّ عليه ما بعده . وقال الزمخشري : " والشرطُ للمخاطبِ ، أي : لا تُطِعْ كلَّ حَلاَّفٍ شارطاً يسارَه ، لأنه إذا أطاع الكافرَ لِغِناهُ ، فكأنه اشترط في الطاعة الغنى ، ونحوُ صرفِ الشرطِ للمخاطب صَرْفُ الترجِّي إليه في قولِه : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } [ طه : 44 ] . وجَعَله الشيخُ مِنْ دخولِ شرطٍ على شرطٍ ، يعني إنْ وإذا ؛ إلاَّ أنه قال : " ليسا من الشروط المترتبةِ الوقوع ، وجعله نظيرَ قولِ ابنِ دريدٍ :

فإنْ عَثَرْتُ بعدَها إنْ وَأَلَتْ *** نفسيَ مِنْ هاتا فقولا لا لَعا

قال : " لأنَّ الحامِلَ على تدبُّرِ آياتِ اللهِ كونُه ذا مالٍ وبنين ، وهو مشغولُ القلبِ بذلك ، غافلٌ عن النظرِ ، قد استولَتْ عليه الدنيا وأَبْطَرَتْه .

وقرأ الحسن بالاستفهام وهو استفهامُ تَقْريعٍ وتوبيخٍ على قولِه : " القرآنُ أساطيرُ الأوَّلين لَمَّا تُلِيَتْ عليه آياتُ الله .