البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (72)

{ أم تسألهم خرجاً } هذا استفهام توبيخ أيضاً المعنى بل أتسألهم مالاً فغلبوا لذلك واستثقلوك من أجله ، قاله ابن عطية وخطب الزمخشري بأحسن كلام فقال { أم تسألهم } على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق والكثير من عطاء الخالق خير فقد ألزمهم الحجة في هذه الآيات ، وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله مخبور سره علنه ، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم ، وأنه لم يعرض له حتى يدعي مثل هذه الدعوى العظيمة بباطل ، ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أموالهم ، ولم يدعهم إلاّ إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل واستهتارهم بدين الآباء الضلال من غير برهان ، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة وكراهتهم للحق وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر انتهى .

وتقدم الكلام في قوله { خرجاً فخراج } في قوله تعالى { فهل نجعل لك خرجاً } في الكهف قراءة ومدلولاً .

وقرأ الحسن وعيسى خراجاً فخرج فكلمت بهذه القراءة أربع قراءات ، وفي الحرفين { فخراج ربك } أي ثوابه لأنه الباقي وما يؤخذ من غيره فان .

وقال الكلبي : فعطاؤه لأنه يعطي لا لحاجة وغيره يعطي لحاجة .

وقيل : فرزقه ويؤيده { خير الرازقين } قال الجبائي : { خير الرازقين } دل على أنه لا يساويه أحد في الإفضال على عباده ، ودل على أن العباد قد يرزق بعضهم بعضاً انتهى .

وهذا مدلول { خير } الذي هو أفعل التفضيل ومدلول { الرازقين } الذي هو جمع أضيف إليه أفعل التفضيل .