البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ} (4)

وليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم حيث قال : { الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } ، فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ونبه على أفضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو .

وما دونت العلوم ، ولا قيدت الحكم ، ولا ضبطت أخبار الأولين ولا مقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا ، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر الخط والقلم لكفى به .

ولبعضهم في الأقلام :

ورواقم رقش كمثل أراقم *** قطف الخطا نيالة أقصى المدى

سود القوائم ما يجد مسيرها *** إلا إذا لعبت بها بيض المدى

انتهى .

من كلام الزمخشري .

ومن غريب ما رأينا تسمية النصارى بهذه الصفة التي هي صفة لله تعالى : الأكرم ، والرشيد ، وفخر السعداء ، وسعيد السعداء ، والشيخ الرشيد ، فيا لها مخزية على من يدعوهم بها .

يجدون عقباها يوم عرض الأقوال والأفعال ، ومفعولا علم محذوفان ، إذ المقصود إسناد التعليم إلى الله تعالى .

وقدر بعضهم { الذي علم } الخط ، { بالقلم } : وهي قراءة تعزى لابن الزبير ، وهي عندي على سبيل التفسير ، لا على أنها قرآن لمخالفتها سواد المصحف .

والظاهر أن المعلم كل من كتب بالقلم .

وقال الضحاك : إدريس ، وقيل : آدم لأنه أول من كتب .