أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

شرح الكلمات :

{ واذكر في الكتاب } : أي القرآن مريم أي خبرها وقصتها .

{ مريم } : هي بنت عمران والدة عيسى عليه السلام .

{ إذا انتبذت } : أي حين اعتزلت أهلها باتخاذها مكاناً خاصاً تخلو فيه بنفسها .

{ شرقيا } : أي شرق الدار التي بها أهلها .

المعنى :

هذه بداية قصة مريم عليها السلام إذ قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم { واذكر في الكتاب } أي القرآن الكريم { مريم } أي نبأها وخبرها ليكون ذلك دليلاً على نبوتك وصدقك في رسالتك وقوله { إذ انتبذت } أي اعتزلت { من أهلها } هذا بداية القصة وقوله { مكاناً شرقياً } أي موضعاً شرقي دار قومها وشرق المسجد ، ولذا اتخذ النصارى المشرق قبله لهم في صلاتهم ولا حجة لهم في ذلك إلا الابتداع وإلا فقبلة كل مصلي لله الكعبة بيت الله الحرام .

الهداية :

من الهداية :

- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة زكريا ويحيى - عليهما السلام - ، انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن قصة أخرى أعجب من قصة ميلاد يحيى ، ألا وهى قصة مريم وميلادها لابنها عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : { واذكر فِي الكتاب . . . } .

قال ابن كثير : " لما ذكر الله تعالى - قصة زكريا - عليه السلام - وأنه أوجد منه فى حال كبره وعقم زوجته ولدا زكياً طاهراً مباركاً ، وعطف بذكر قصة مريم ، فى إيجاده ولدها عيسى - عليه السلام - منها من غير أب .

وهى مريم ابنة عمران - من سلالة داود - عليه السلام - وكانت من بيت طاهر فى بنى إسرائيل . . . ونشأت نشأة عظيمة ، فكانت إحدى العابدات الناسكات . . .

وكانت فى كفالة زوج أختها زكريا - عليه السلام - ورأى لها من الكرامات الهائلة ما بهره . . . " .

والمعنى : { واذكر } - أيها الرسول الكريم - { فِي الكتاب } أى فى هذه السورة الكريمة ، أو فى القرآن الكريم ، خبر مريم وقصتها { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .

وفى التعبير بقوله - تعالى - { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } أى : وقت أن تنحت عنهم واعتزلتهم فى مكان يلى الناحية الشرقية من بيت المقدس ، أو من بيتها الذى كانت تسكنه .

وفى التعبير بقوله - تعالى - { إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا } إشارة إلى شدة عزلتها عن أهلها إذ النبذ معناه الطرح والرمى ، فكأنها ألقت بنفسها فى هذا المكان لتتخلى للعبادة والطاعة ، والتقرب إلى الله - تعالى - بصالح الأعمال .

قال القرطبى : واختلف الناس لم انتبذت ؟ فقال السدى : انتبذت لتطهر من حيض أو نفاس . وقال غيره : لتعبد الله وهذا حسن . وذلك أن مريم كانت وقفا على سدانة المعبد وخدمته والعبادة فيه ، فتنحت من الناس لذلك ، ودخلت فى المسجد إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة . . .

فقوله { مَكَاناً شَرْقِياً } أى : مكاناً من جانب الشرق . والشرق - بسكون الراء - المكان الذى تشرق فيه الشمس . والشرق - بفتح الراء - الشمس . .

وإنما خص المكان بالشرق ، لأنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ، حيث تطلع الأنوار . . . " .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا} (16)

قوله تعالى : { واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ( 16 ) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ( 17 ) قالت إني أعوذ بالرحمان منك إن كنت تقيا ( 18 ) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ( 19 ) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ( 20 ) قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( 21 ) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ( 22 ) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ( 23 ) } .

بعد أن بين قصة زكريا وولده يحيى عطف بيان قصة مريم البتول وولدها الزكي . والمخاطب رسول الله ( ص ) ؛ إذ يأمره ربه أن يبين للناس هذه القصة ليقفوا على كمال قدرة الله الذي لا تستعصي عليه النواميس الكونية أو طبائع الأشياء والخليقة ولا يعز عليه أن يصنع ما يريد مما فيه خرق لقوانين الوجود ، فقال : واذكر لهم يا محمد في هذا القرآن قصة مريم حين تنحت واعتزلت أهلها ( مكانا شرقيا ) ( مكانا ) ، منصوب على أنه ظرف مكان ، وقيل : مفعول به لفعل مقدر . وتقديره : وقصدت مكانا قصيا .

و ( شرقيا ) ، صفة له{[2889]} ؛ أي أنها تنحت عن أهلها في مكان شرقي بيت المقدس معتزلة عن الناس حتى تطهر من الحيض . وقيل : لتحبس نفسها للعبادة وهذا أظهر ؛ فقد جُعلت مريم وقفا على سدانة بيت الله وخدمته ؛ فهي تحرص على الانقطاع للتبتل وعبادة الله ، معتزلة الناس من أجل هذه الوجيبة الفضلى .


[2889]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 122.