أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

شرح الكلمات :

{ في قرية } : القرية : المدينة الجامعة لأعيان البلاد ورؤسائها وهي المدينة .

{ بالبأساء } : بالشدة كالقحط والجوع والحروب .

{ والضراء } : الحالة المضرة كالأمراض والغلاء وشدة المؤونة .

{ يضرعون } : يدعون الله تعالى ويتضرعون إليه ليكشف عنهم السوء .

المعنى :

على إثر بيان قصص خمسة أنبياء ذكر تعالى سنته في الأمم السابقة ليكون ذلك عظة لكفار قريش ، وذكرى للمؤمنين فقال تعالى : { وما أرسلنا في قرية } أي في أهل قرية والمراد بالقرية الحاضرة والعاصمة من كبريات المدن حيث الكبراء والرؤساء من نبي من الأنبياء والمرسلين فكذبوه قومه وردوا دعوته مصرين على الشرك والضلال إلا أخذ الله تعالى أهل تلك المدينة بألوان من العذاب التأديبي كالقحط والجوع وشظف العيش ، والأمراض والحروب المعبر عنه بالبأساء والضراء . رجاء أن يرجعوا إلى الحق بعد النفور منه ، وقبوله بعد الإِعراض عنه .

/ذ95

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ} (94)

واستمع إلى السورة الكريمة وهى تصور هذه المعانى وغيرها بأسلوبها الحكيم فتقول : { وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ . . . . } .

هذه هى الآيات التي جاءت في السورة الكريمة بعد حديثها المتنوع عن بعض الأنبياء مع أقوامهم ، وقبل حديثها المستفيض - الذي سنراه بعد قليل عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل .

وقد بدئت بقوله - تعالى - : { وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } البأساء : الشدة والمشقة كلاحرب والجدب وشدة الفقر . والضراء : ما يضر الإنسان في بدنه أو معيشته كالمرض والمصائب .

والمعنى : ذلك الذي قصصناه عليك يا محمد شأن الرسل السابقين مع أقوامهم الهالكين لهم ألوانا من الشدائد والمصائب لعلهم ينقادون لأمر الله ، ويثوبون إلى رشدهم ، ويكثرون من التضرع إليه والاستجابة لهديه .

فالآية الكريمة إشارة إجمالية إلى بيان أحوال سائر الأمم ، إثر بيان أحوال الأمم التي سبق الحديث عنها وهى أمة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليه السلام - .

والمقصود منها التحذير والتخويف لكفار قريش وغيرهم ، لينزجروا عن الضلال والعناد ، ويستجيبوا لله ولرسوله .

وإنما ذكر القرية لأنها مجتمع القوم الذين بعث إليهم ، ويدخل تحت هذا اللفظ المدينة لأنها مجتمع الأقوام .

وقوله : { مِّن نَّبِيٍّ } فيه حذف وإضمار والتقدير : من نبى كذبه قومه أو أهل القرية لأن قوله : { إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا } لا يترتب على الإرسال ، وإنما يترتب على التكذيب والعصيان . و { مِّن } لتأكيد النفى .

والاستثناء في قوله : { إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا } مفرغ من أعم الأحوال ، و { أَخَذْنَا } في موضع نصب على الحال من فاعل { أَرْسَلْنَا } أى : وما أرسلنا - في قرية من القرى المهلكة بسبب ذنوبها - نبيا من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء . قبل إنزال العقوبة المستأصلة لهم .

وجملة { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } تعليلية . أى : فعلنا ما فعلنا لكى يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا من ذنوبهم .

فما يأخذ الله به الغافلين من الشدائد والمحن ليس من أجل التسلية والتشفى - تعالى الله عن ذلك - وإنما من أجل أن ترق القلوب الجامدة ، وتتعظ المشاعر الخامدة ، ويتجه البشر الضعاف إلى خالقهم ، يتضرعون إليه ويستغفرونه ، عما فرط منهم من خطايا .