صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ} (68)

{ وأوحى ربك إلى النحل . . } لما ذكر الله تعالى من دلائل قدرته وبديع صنعته إخراج اللبن من بين فرث ودم ، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب ، ذكر في هذه الآية إخراج العسل – وهو شفاء للناس – من طائر ضعيف : وهو النحل . { ومما يعرشون } ، أي : يبنون للنحل من الخلايا . يقال : عرش يعرش ويعرش ، أي : بنى عريشا ، كأعراش وعرش ، من العرش وهو سقف البيت . ومنه عرشت الكرم وعرشته ، إذا جعلت له كهيئة السقف لرفعه عن الأرض . والمراد : أنه تعالى ألهم النحل أن تتخذ بيوتا من الشمع الذي تمج العسل شيئا فشيئا ، في كهوف الجبال وفي متجوف الأشجار ، وفي الخلايا التي يبنيها الناس لذلك . ولولا هذا الإلهام لم تأو إلى هذه الأماكن ، ولم تمج فيها العسل . وفي بنائها هذه البيوت الدقيقة المحكمة البديعة ، من مسدسات متساوية الأضلاع لا خلل فيها ولا تفاوت ، وفي غدوها لاقتطاف الأزاهير والثمار ، ورواحها إلى خلياتها من مسافات بعيدة دون أن تخطئها ، وفي تنصيب أمة النحل في الخلايا ملكة عليها نافذة الحكم والسلطان ، وإقامة حاجب على كل خلية يحرسها ، ولا يمكن غير أهلها من الدخول فيها ، مع صغر حجم النحلة وضعف بنيتها ، ودأبها على العمل بنظام دقيق – أدلة متضافرة على كمال قدرة مبدعها ، وبداعة صنع ملهمها .

وكم في هذه المخلوقات الصغيرة من عجائب ودلائل ، كالنمل والعنكبوت والذباب : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب . ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز }{[207]} .


[207]:آية 23 – 74 الحج
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ} (68)

ولما كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة ، أعجب مما تقدم وأنفس ، ثلث به وأخره ؛ لأنه أقل الثلاثة عندهم ، وغير الأسلوب وجعله من وحيه إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن ، فقال تعالى : { وأوحى ربك } ، أي : المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة ، وغيرها من الأماكن ، وبغير ذلك من المنافع ، الدال على الفعل بالاختيار ، وتمام الاقتدار ، { إلى النحل } ، أي : بالإلهام ؛ قال الرازي في اللوامع : فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فبعضها بالتسخير المجرد : كالجمادات ، وبعضها بالإلهام والتسخير : كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون ، وهي : دويبة تتخذ بيتاً من دقاق العيدان ، فتدخله وتموت - والعنكبوت ، وبعضها بالتسخير والإلهام والعقل المتفق على نظام واحد : كالملائكة ، وبعضها بكل ذلك ، والفكر والتمييز ، والأعمال المختلفة المبنية على الفكر : كالإنسان .

ولما كان في الإيحاء معنى القول ، أتى ب " أن " المفسرة ، فقال تعالى : { أن اتخذي } ، أي : افعلي ما يفعله المتكلف من أن يأخذ { من الجبال بيوتاً } ، أي : بيوت ! ما أعجبها ! { ومن الشجر } ، أي : الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحاري ، { ومما يعرشون * } ، أي : يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها ، وبدأ بالبيوت ؛ لأنها من عجب الدهر في حسن الصنعة ، وبداعة الشكل ، وبراعة الإحكام ، وتمام التناسب .