{ خلق السماوات والأرض في ستة أيام } أنشأهم غير مثال سابق ، وأنشأ ما بينهما كذلك في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا . أو في ستة أيام ، وكل يوم مقداره ألف سنة من السنين التي نعدها . قال سعيد بن جبير : كان الله قادرا على خلق السماوات والأرض-أي وما بينهما- في لمحة ولحظة ، فخلقن في ستة أيام ، تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور . { ثم استوى على العرش } عرش الله تعالى –كما قال الراغب- : مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له-تعالى عن ذلك-لا محمولا ، والله تعالى يقول : { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده }{[159]} . وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية . أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة-ومنهم الأئمة الأربعة- إلى أنه صفة لله تعالى بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه وتمثيل ، لاستحالة اتصافه تعالى بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه تعالى عما لا يليق به{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وأنه يجب الإيمان بها كما وردت ، وتفويض العلم بحقيقتها إليه تعالى . وقال الإمام الرازي : إن هذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه . وذهب جمهور المتكلمين إلى وجوب صرفه عن ظاهره لاستحالته . وإلى تأويله على التفصيل ، وأن المراد منه-كما قال الإمام القفال - أنه استقام ملكه ، واطرد أمره ، ونفذ حكمه تعالى في مخلوقاته ، والله تعالى دل على ذاته وصفاته وكيفية تدبيره للعالم على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم ، واستقر في قلوبهم ، تنبيها على عظمته وكمال قدرته ، وذلك مشروط بنفى التشبيه ، ويشهد بذلك قوله تعالى : { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } {[160]} . ( راجع المسألة الرابعة من المقدمة ص8 ) وقد ذكر الاستواء على العرش في سبع آيات من القرآن .
{ يغشى الليل النهار } التغشية : التغطية والستر . أي يجعل الليل غاشيا للنهار مغطيا له فيذهب بنوره ، وهكذا دواليك في كل ليل ونهار ، وبتعاقب الأمثال يستمر الاستبدال ، فيتغير كل واحد منهما بالآخر ، فكما يغطى النهار بالليل يغطى الليل بالنهار ، وفي ذلك من منافع الخلق ما فيه وبه تتم الحياة ، وهو دليل القدرة والحكمة والتدبير من الإله العلي العظيم . { يطلبه حثيثا } يطلب الليل النهار طلبا سريعا حتى يلحقه ويدركه . وهو كناية عن أن أحدهما يأتي عقب الآخر ويخلفه بلا فاصل ، فكأنه يطلبه طلبا سريعا لا يفتر عنه حتى يلحقه . والحث على الشيء : الحض عليه . يقال : حث الفرس على العدو يحثه حثا ، صاح به أو ووكزه برجل أو ضرب وذهب حثيثا أي مسرعا .
{ له الخلق والأمر } الخلق : إيجاد الأشياء من العدم . والأمر : التدبير والتصرف على حسب الإرادة لما خلقه . فهو سبحانه الخالق والمدبر للعالم على حسب إرادته وحكمته ، لا شريك له في ذلك .
{ تبارك الله رب العالمين }كثر خيره وإحسانه ، من البركة بمعنى الكثرة من كل خير . وأصلها : النماء والزيادة . أو ثبت ودام كما لم يزل ولا يزال ، من البركة بمعنى الثبوت . يقال : برك البعير ، إذا أناخ في موضعه فلزمه وثبت فيه . وكل شيء ثبت ودام فقد برك . أو تعالى وتعظم وارتفع . أو تقدس وتنزه عن كل نقص .
{ 54 } { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }
يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا شريك له : { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } وما فيهما على عظمهما وسعتهما ، وإحكامهما ، وإتقانهما ، وبديع خلقهما .
{ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما أودع { اسْتَوَى } تبارك وتعالى { عَلَى الْعَرْشِ } العظيم الذي يسع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته وسلطانه ، فاستوى على العرش ، واحتوى على الملك ، ودبر الممالك ، وأجرى عليهم أحكامه الكونية ، وأحكامه الدينية ، ولهذا قال : { يُغْشِي اللَّيْلَ } المظلم { النَّهَارَ } المضيء ، فيظلم ما على وجه الأرض ، ويسكن الآدميون ، وتأوى المخلوقات إلى مساكنها ، ويستريحون من التعب ، والذهاب والإياب الذي حصل لهم في النهار .
{ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } كلما جاء الليل ذهب النهار ، وكلما جاء النهار ذهب الليل ، وهكذا أبدا على الدوام ، حتى يطوي اللّه هذا العالم ، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار .
{ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } أي : بتسخيره وتدبيره ، الدال على ما له من أوصاف الكمال ، فخلْقُها وعظَمُها دالٌّ على كمال قدرته ، وما فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته ، وما فيها من المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة علمه ، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له .
{ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } أي : له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها ، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات ، فالخلق : يتضمن أحكامه الكونية القدرية ، والأمر : يتضمن أحكامه الدينية الشرعية ، وثم أحكام الجزاء ، وذلك يكون في دار البقاء ، { تَبَارَكَ اللَّهُ } أي : عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه ، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها ، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير ، فكل بركة في الكون ، فمن آثار رحمته ، ولهذا قال : ف { تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }
ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده ، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك ، فقال : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.