تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه}، يعني على آكل يأكله، {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا}، يعني يسيل، {أو لحم خنزير فإنه رجس}، يعني إثما، {أو فسقا}، يعني معصية، {أهل لغير الله به}، يعني ذبح لغير الله، {فمن اضطر} إلى شيء مما حرمت عليه، {غير باغ} ليستحله في دينه، {ولا عاد}، يعني ولا معتديا لم يضطر إليه فأكله، {فإن ربك غفور} لأكله الحرام، {رحيم} به إذا رخص له في الحرام في الاضطرار...
.. قال مالك: لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية... يحيى: عن مالك، أن أحسن ما سمع في الرجل، يضطر إلى الميتة: أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها. فإن وجد عنها غنى طرحها...
فاحتملت الآية معنيين: أحدهما: أن لا يَحْرُمَ على طَاعِمٍ أبدا إلا ما استثنى الله...
ويحتمل قول الله: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ}: من شيء سئل عنه رسول الله دون غيره...
ويحتمل: مما كنتم تأكلون. وهذا أولى معانيه، استدلالا بالسنة عليه دون غيره... 233- يقول الله عز وجل: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّما عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} فأهل التفسير أو ما سمعت من منهم يقول في قول الله عز وجل: {قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّماً} يعني: مما كنتم تأكلون، فإن العرب كانت تحرم أشياء على أنها من الخبائث، وتحل أشياء على أنها من الطيبات، فأحلت لهم الطيبات عندهم إلا ما استثني منها، وحرمت عليهم الخبائث عندهم، قال الله عز وجل: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبَائِثَ}. (الأم: 2/241. ون أحكام الشافعي: 2/88-89. والإتقان في علوم القرآن: 1/89.)...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ولشركائهم من الآلهة والأنداد مثله، والقائلين "هَذهِ أنعامٌ وحرْثٌ حِجْرٌ لا يطْعمُها إلاّ مَنْ نشاءُ بِزَعمِهمْ "والمحرّمين من أنعام أُخَر ظهورها، والتاركين ذكر اسم الله على أُخَر منها، والمحرّمين بعض ما في بطون بعض أنعامهم على إناثهم وأزواجهم ومحلّية لذكورهم، المحرّمين ما رزقهم الله افتراء على الله، وإضافة منهم ما يحرّمون من ذلك إلى أن الله هو الذي حرّمه عليهم: أجاءكم من الله رسول بتحريمه ذلك عليكم، فأنبئونا به، أم وصّاكم الله بتحريمه مشاهدة منكم له فسمعتم منه تحريمه ذلك عليكم فحرّمتموه؟ فإنكم كذبة إن ادّعيتم ذلك ولا يمكنكم دعواه، لأنكم إذا ادّعيتموه علم الناس كذبكم، فإني لا أجد فيما أوحي إليّ من كتابه وآي تنزيله شيئا محرّما على آكل يأكله مما تذكرون أنه حرّمه من هذه الأنعام التي تصفون تحريم ما حرّم عليكم منها بزعمكم، إلا أن يكون ميتة قد ماتت بغير تذكية أو دما مسفوحا وهو المنصبّ أو إلا أن يكون لحم خنزير. فإنّه رِجْسٌ، "أو فِسْقا" يقول: أو إلا أن يكون فسقا، يعني بذلك: أو إلا أن يكون مذبوحا ذبحه ذابح من المشركين من عبدة الأوثان لصنمه وآلهته فذكر عليه اسم وثنه، فإن ذلك الذبح فسق نهى الله عنه وحرّمه، ونهى من آمن به عن أكل ما ذبح كذلك، لأنه ميتة. وهذا إعلام من الله جلّ ثناؤه للمشركين الذين جادلوا نبيّ الله وأصحابه في تحريم الميتة بما جادلوهم به أن الذي جادلوهم فيه من ذلك هو الحرام الذي حرّمه الله، وأن الذي زعموا أن الله حرّمه حلال قد أحله الله، وأنهم كذبة في إضافتهم تحريمه إلى الله...
وأما قوله: "أوْ دَما مَسْفُوحا" فإن معناه: أو دما مسالاً مُهَراقا... وفي اشتراطه جلّ ثناؤه في الدم عند إعلامه عباده تحريمه إياه المسفوح منه دون غيره، الدليل الواضح أن ما لم يكن منه مسفوحا فحلال غير نجس... وقد بينا معنى الرجس فيما مضى من كتابنا هذا، وأنه النجس والنتن، وما يعصى الله به، بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. وكذلك القول في معنى الفسق، وفي قوله: أُهِلّ لغيرِ اللّهِ بِهِ قد مضى ذلك كله بشواهده الكافية من وفق لفهمه عن تكراره وإعادته...
"فَمَنِ اضْطُرّ غيرَ باغٍ وعلا عادٍ فإنّ رَبّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: "فَمَنِ اضْطُرّ غيرَ باعٍ وَلا عادٍ". والصواب من القول فيه عندنا فيما مضى من كتابنا هذا في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، وأن معناه: فمن اضطّر إلى أكل ما حرّم الله من أكل الميتة والدم المسفوح أو لحم الخنزير، أو ما أهلّ لغير الله به، غير باغ في أكله إياه تلذّذا، لا لضرورة حالة من الجوع، ولا عاد في أكله بتجاوزه ما حدّه الله وأباحه له من أكله، وذلك أن يأكل منه ما يدفع عنه الخوف على نفسه بترك أكله من الهلاك لم يتجاوز ذلك إلى أكثر منه، فلا حرج عليه في أكله ما أكل من ذلك. "فإنّ اللّهَ غَفُورٌ" فيما فعل من ذلك، فساتر عليه بتركه عقوبته عليه، ولو شاء عاقبه عليه. "رَحِيمٌ" بإباحته إياه أكل ذلك عند حاجته إليه، ولوشاء حرمه عليه ومنعه منه.
جهود ابن عبد البر في التفسير 463 هـ :
وقال أكثر أهل العلم والنظر، من أهل الأثر وغيرهم: إن الآية محكمة غير منسوخة، وكل ما حرمه رسول الله مضموم إليها وهو زيادة من حكم الله على لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم – ولا فرق بين ما حرم الله في كتابه أو حرمه على لسان رسوله، بدليل قول الله عز وجل-: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} 1581، وقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}، وقوله: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة}، قال أهل العلم: القرآن والسنة. وقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله}، وقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}، فقرن الله- عز وجل- طاعته بطاعته، وأوعد على مخالفته، وأخبر أنه يهدي إلى صراطه، وبسط القول في هذا موجود في كتب الأصول. وليس في هذه الآية دليل على أن لا حرام على أكل إلا ما ذكر فيها، وإنما فيها أن الله أخبر نبيه- صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يخبر عباده أنه لم يجد في القرآن منصوصا شيئا محرما على الأكل والشارب إلا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أن يحرم الله في كتابه بعد ذلك وعلى لسان رسوله أشياء سوى ما في هذه الآية...
وقد أجمعوا أن سورة الأنعام مكية، وقد نزل بعدها قرآن كثير، وسنن عظيمة، وقد نزل تحريم الخمر في المائدة بعد ذلك، وقد حرم الله على لسان نبيه-صلى الله عليه وسلم – أكل كل ذي ناب من السباع، وأكل الحمر الأهلية، وغير ذلك. فكان ذلك زيادة حكم من الله على لسان نبيه- صلى الله عليه وسلم- كنكاح المرأة على عمتها، وعلى خالتها، مع قوله: {وأحل لكم ما دون ذلك}، وكحكمه بالشاهد واليمين، مع قول الله: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان}، وما أشبه هذا كثير، تركناه خشية الإطالة، ألا ترى أن الله قال في كتابه: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}، وقد حرم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أشياء من البيوع، وإن تراضا بها المتبايعان، كالمزابنة، وبيع ما ليس عندك، وكالتجارة في الخمر، وغير ذلك مما يطول ذكره...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
بيَّن أَنَّ الشارعَ اللهُ، والمانعَ عن الخلْق هو الله، وما كان من غير الله فضائعٌ باطلٌ عند الله.
بيَّن أنه إذا جاء الاضطرارُ زال حكمُ الاختيار...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
... {فِي مَا أُوحِىَ إِلَىَّ} تنبيه على أنّ التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى الأنفس {مُحَرَّمًا} طعاماً محرّماً من المطاعم التي حرّمتموها {إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} إلاّ أن يكون الشيء المحرّم ميتة {أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} أي: مصبوباً سائلاً كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال. وقد رخّص في دم العروق بعد الذبح {أَوْ فِسْقًا} عطف على المنصوب قبله. سمى ما أهلّ به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق. ومنه قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذا أمر من الله عز وجل بأن يشرع للناس جميعاً ويبين عن الله ما أوحي إليه، وهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيء محرم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، فإن هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات لأنها بأسباب وليست حتف الأنف، فلما بين النص إلحاقها بالميتة كانت زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الخمر بوحي غير مُنْجَز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
تقرر في الآيات السابقة أنه ليس لأحد أن يحرم على أحد شيئا من الطعام وكذا غيره إلا بإذن من الله في وحيه إلى رسله، وأن من فعل ذلك فهو مفتر على الله تعالى معتد على مقام الربوبية إذ لا يحرم على العباد إلا ربهم، وأن من أطاعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله تعالى في ربوبيته. والآيات في هذا المعنى كثيرة وإن من هذا الشرك والافتراء على الله تعالى ما حرمت الجاهلية من الأنعام والحرث كما فصل في الآيات التي قبل هذه وختم الله تعالى هذا السياق ببيان ما حرمه على عباده من الطعام على لسان خاتم رسله وشرع من قبله فقال: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ}: أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله تعالى فيما يضرهم من تحريم ما لم يحرم عليهم ولغيرهم من الناس، لا أجد فيما أوحاه الله تعالى إلي طعاما محرما على آكل يريد أن يأكله، بل الأصل في جميع ما شأنه أن يؤكل أن يكون مباحا لذاته إلا أن يكون ميتة أي بهيمة ماتت حتف أنفها ولو بسبب غير التذكية بقصد الأكل أو دما مسفوحا أي مصبوبا كالدم الذي يجري من المذبوح أو لحم خنزير فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة وضار بالأبدان الصحيحة أو فسقا أهل لغير الله به وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبدا ويذكر اسم ذلك الغير عليه عند ذبحه وجعل بعضهم الوصف بالرجس للحم الخنزير خاصة واستدلوا به على نجاسة عينه حتى قال بعضهم بنجاسة شعره، وما اخترناه من كون الوصف لجميع ما ذكر من الأنواع الثلاثة هو المتبادر وهو أظهر في الميتة والدم المسفوح منه في لحم الخنزير ولا سيما إذا أريد بالرجس الحسي منه فإن طباع أكثر البشر تستقذرهما وتعافهما ولحم الخنزير من أجمل اللحوم منظرا فلا يعافه إلا من يعتقد حرمته وذلك استقذار معنوي لا حسي وإنما يستقذر الخنزير حيا بملازمته للأقذار وأكله منها. والأرجح أن سبب تحريم لحمه ما فيه من الضرر لا كونه من القذر وتقدم بيان ذلك في تفسير آية المائدة...
{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فمن دفعته ضرورة المجاعة وفقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات حال كونه غير باغ أي مريد لذلك قاصد له ولا معتد فيه قدر الضرورة فإن ربك الذي لم يحرم ما ذكر إلا لضرره، غفور رحيم فلا يؤاخذه بأكل ما يسد رمقه ويدفع به الهلاك عن نفسه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف بياني نشأ عن إبطال تحريم ما حرّمه المشركون، إذ يتوجّه سؤال سائل من المسلمين عن المحرّمات الثابتة، إذْ أبطلت المحرّمات الباطلة، فلذلك خوطب الرّسول صلى الله عليه وسلم ببيان المحرّمات في شريعة الإسلام بعد أن خوطب ببيان ما ليس بمحرّم ممّا حرّمه المشركون في قوله: {قل ءآلذّكرين حرم أم الأنثيين} [الأنعام: 144] الآيات. وافتُتح الكلام المأمورُ بأن يقوله بقوله: {لا أجد} إدماجاً للردّ على المشركين في خلال بيان ما حُرّم على المسلمين، وهذا الردّ جار على طريقة كناية الإيماء بأن لم يُنْفَ تحريم ما ادّعوا تحريمه صريحاً، ولكنّه يقول لا أجده فيما أوحي إليّ ويستفاد من ذلك أنَّه ليس تحريمه من الله في شرعه، لأنَّه لا طريق إلى تحريم شيء ممّا يتناوله النّاس إلاّ بإعلام من الله تعالى، لأنّ الله هو الّذي يُحلّ ما شاء ويحرّم ما شاء على وفق علمه وحكمته، وذلك الإعلام لا يكون إلاّ بطريق الوحي أو ما يُستنبط منه، فإذا كان حكم غير موجود في الوحي ولا في فروعه فهو حكم غير حقّ، فاستفيد بطلان تحريم ما زعموه بطريقة الإيماء، وهي طريقة استدلالية لأنّ فيها نفي الشّيء بنفي ملزومه. و {أجد} بمعنى: أظفر، وهو الّذي مصدره الوَجد والوجدانُ، وهو هنا مجاز في حصول الشّيء وبلوغه، يقال: وجَدْت فلاناً ناصراً، أي حصلت عليه، فشبّه التّحصيل للشّيء بالظفَر وإلْفاءِ المطلوب، وهو متعدّ إلى مفعول واحد. والمراد، ب {ما أوحي} ما أعلمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي غير القرآن لأنّ القرآن النّازل قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير وإنَّما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثمّ في سورة المائدة. والطاعم: الآكِلُ، يقال: طَعِم كَعَلِم، إذا أكل الطَّعام، ولا يقال ذلك للشَّارب، وأمَّا طَعِم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات، وأكثر استعماله في النّفي، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى: {ومن لم يطعَمْه فإنَّه منّي} في سورة البقرة (249)، وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان محرّم المأكولات. وقوله: {يطعمه} صفة لطاعم وهي صفة مؤكّدة مثل قوله: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38]. والاستثناء من عموم الأكوان الّتي دلّ عليها وقوع النّكرة في سياق النّفي. أي لا أجد كائناً محرّماً إلاّ كونه ميتة إلخ أي: إلاّ الكائن ميتة إلخ، فالاستثناء متّصل. والحصر المستفاد من النّفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية. فلم يكن يومئذ من محرّمات الأكل غير هذه المذكورات لأنّ الآية مكّيّة ثمّ نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريباً. والمسفوح: المصبوب السائل، وهو ما يخرج من المذبح والمَنْحَر. أو من الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل. وقد كان العرب يأكلون الدّم الّذي يسيل من أوداج الذّبيحة أو من منحَر المنحورة ويجمعونه في مَصير أو جِلد ويجفّفونه ثمّ يشْوونه، وربّما فصدوا من قوائم الإبل مَفصدا فأخذوا ما يحتاجون من الدّم بدون أن يهلك البعير، وربَّما خلطوا الدّم بالوَبَر ويسمّونه (العِلْهِز)، وذلك في المجاعات. وتقييد الدّم بالمسفوح للتّنبيه على العفو عن الدمّ الّذي ينزّ من عروق اللّحم عند طبخه فإنَّه لا يمكن الاحتراز عنه. وقوله: {فإنه رجس} جملة معترضة بين المعطوفات، والضّمير قيل: عائد إلى لحم الخنزير، والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله، وأنّ افراد الضّمير على تأويله بالمذكور، أي فإنّ المذكور رجس، كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله: {ومن يفعل ذلك يلق أثاماً} [الفرقان: 68]. والرّجس: الخبيث والقَذر. وقد مضى بيانه عند قوله تعالى: {كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} في هذه السورة (125). فإن كان الضّمير عائداً إلى لحم الخنزير خاصّة فوصفه برجس تنبيه على ذمّه. وهو ذمّ زائد على التّحريم، فوَصفه به تحذير من تناوله. وتأنيس للمسلمين بتحريمه، لأنّ معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير بخلاف الميتة والدّم فما يأكلونها إلاّ في الخصاصة... وإن كان الضّمير عائداً إلى الثلاثة بتأويل المذكور كان قوله: {فإنه رجس} تنبيهاً على علّة التّحريم وأنَّها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء، وهي مفسدة بدنيّة... والفسق: الخروج عن شَيْء. وهو حقيقة شرعية في الخروج عن الإيمان، أو عن الطّاعة الشّرعية، فلذلك يوصف به الفعل الحرام باعتبار كونه سبباً لفسق صاحبه عن الطّاعة. وقد سمّى القرآن ما أهلّ به لغير الله فسقاً في الآية السالفة وفي هذه الآية، فصار وصفاً مشهوراً لِمّا أهلّ به لغير الله، ولذلك أتبعه بقوله: {أهل لغير الله به} فتكون جملة: {أهل لغير الله به} صفة أو بياناً ل {فسقاً}، وفي هذا تنبيه على أنّ تحريم ما أهلّ لغير الله به ليس لأنّ لحمه مضرّ بل لأنّ ذلك كفر بالله. وقد دلّت الآية على انحصار المحرّمات من الحيوان في هذه الأربعة، وذلك الانحصار بحسب ما كان مُحرّماً يوم نزول هذه الآية، فإنَّه لم يحرّم بمكّة غيرها من لحم الحيوان الّذي يأكلونه، وهذه السّورة مكّيّة كلّها على الصّحيح، ثمّ حرّم بالمدينة أشياء أخرى، وهي: المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنّطيحة وأكيلة السّبع بآية سورة العقود (3). وحُرّم لحم الحُمر الإنسيّة بأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم على اختلاف بين العلماء في أنّ تحريمه لذاته كالخنزير، أو لكونها يومئذ حَمولة جيش خيبر، وفي أنّ تحريمه عند القائلين بأنّه لذاته مستمرّ أو منسوخ، والمسألة ليست من غرض التّفسير فلا حاجه بنا إلى ما تكلّفوه من تأويل حصر هذه الآية المحرّمات في الأربعة. وكذلك مسألة تحريم لحم كلّ ذي ناب من السّباع ولحم سباع الطّير وقد بسطها القرطبي وتقدّم معنى: {أهِلّ لغير الله به} في تفسير سورة المائدة (3)... وقوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} تقدّم القول في نظيره في سورة البقرة (173) في قوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه.} وإنَّما جاء المسند إليه في جملة الجزاء وهو {ربك} معرّفاً بالإضافة دون العلميّة كما في آية سورة البقرة (192): {فإنّ الله غفور رحيم} لما يؤذن به لفظ الربّ من الرأفة واللّطف بالمربوب والولاية، تنبيها على أنّ الله جعل هذه الرّخصة للمسلمين الّذين عبدوه ولم يشركوا به، وأنَّه أعرض عن المشركين الّذين أشركوا معه غيره لأنّ الإضافة تشعر بالاختصاص، لأنَّها على تقدير لام الاختصاص، فلمّا عبر عن الغفور تعالى بأنَّه ربّ النّبيء عليه الصّلاة والسّلام علم أنَّه ربّ الَّذين اتَّبعوه، وأنَّه ليس ربّ المشركين باعتبار ما في معنى الربّ من الولاية، فهو في معنى قوله تعالى: {ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم}} [محمد: 11] أي لا مولى يعاملهم بآثار الولاية وشعارها، ذلك لأنّ هذه الآية وقعت في سياق حجاج المشركين بخلاف آية البقرة (172) فإنَّها مفتتحة بقوله: {يأيّها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم.} والإخبار بأنَّه غفور رحيم، مع كون ذلك معلوماً من مواضع كثيرة، هو هنا كناية عن الإذن في تناول تلك المحرّمات عند الاضطرار ورفع حرج التّحريم عنها حينئذ فهو في معنى قوله في سورة البقرة (182): {فلا إثم عليه إنّ الله غفور رحيم.}...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
ويبقى الانحراف في مسألة التحريم يحكم الموقف في آيات الله، لأنه من القضايا التي تتصل بالمبدأ، فالمسألة هي مسألة الافتراء على الله في مجال التشريع، أن تقول لشيءٍ لم يحرّمه الله إنه حرام، مستغلاً في ذلك جهل الناس وسذاجتهم، وغموض قواعد التحريم والتحليل في بعض المجالات، وتلك هي قصة الكثيرين الذين يجعلون من أنفسهم مشرِّعين باسم الله في ما يلبّسون به على الناس من أمر دينهم، ويريد القرآن في هذا التدرج والتنوع في أسلوب معالجة القضية أن يوحي بأنها مسألة مهمّة جداً، وبأن علينا أن نتبع كل الوسائل في سبيل كشف الزيف الذي يقوم به أمثال هؤلاء، بإثارة علامات الاستفهام التي تحرجهم، وبالتنديد بهم، وبمواجهتهم بالحجة القاطعة في نهاية المطاف من أجل إبعاد الساحة عن شياطين الكذب والافتراء، ليبقى الإسلام بعيداً عن الكذب والتشويه والتمويه...
ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس إلاّ من الله أمر معلوم ليس موضعاً للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك ، ومن حكم عن غير أمره عذب ؛ حسن بعد إبطال دينهم{[31457]} والبيان لأن من حرم شيئاً بالتشهي مضل وظالم{[31458]} قولُه مبيناً البيان الصحيح لما يحل ويحرم جواباً لمن يقول : فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله : { قل } معلماً بأن{[31459]} التحريم لا يثبت إلاّ بوحي من{[31460]} الله { لآ أجد } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، فإن " لا " كلمة لا تدخل على مضارع إلاّ وهو بمعنى الاستقبال { في مآ } .
ولما كان ما آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله ، بني للمفعول قوله{[31461]} : { أوحي إليّ } أي من القرآن والسنة شيئاً مما تقدم مما حرمتموه مطلقاً أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاماً { محرماً على طاعم } أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى { يطعمه } أي يتناوله أكلاً و{[31462]} شرباً أو دواء أو غير ذلك { إلا أن يكون } أي ذلك الطعام { ميتة } أي شرعاً ، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية ، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية{[31463]} { أو دماً مسفوحاً } أي مراقاً من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال .
ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير ديناً ، نص عليه وإن كان داخلاً{[31464]} في قوله " ميتة " على ما قررته في المراد بها ، وقال : { أو لحمِ خنزير } ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا ، ولو قيل : أو خنزيراً لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حياً فقط ، وقال : { فإنه } أي الخنزير{[31465]} { رجس } ليفيد نجاسة عينه وهو حي ، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجساً ، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه ، فلو عاد عليه كان تكراراً . {[31466]}
ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض ، فقال مبالغاً في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله : { أو فسقاً } أي أو كان الطعام خروجاً مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه{[31467]} أمن واهتدى وسلم من{[31468]} ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل ، وهلك{[31469]} وتوى{[31470]} ؛ ثم قال مفسراً له مقدماً لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير{[31471]} : { أهل لغير الله } أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله{[31472]} { به } أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تديناً ؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة{[31473]} منه لهم وستراً لتقصيرهم فقال : { فمن اضطر } أي حصل له جوع خشي منه التلف ، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين ، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذٍ لا يكون مضطراً { غير باغ } أي على غيره بمكيدة { ولا عاد } أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة { فإن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة{[31474]} { غفور } أي يمحو الذنب إذا أراد { رحيم } أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات ، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها{[31475]} ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجراً عظيماً ، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ {[31476]}من الخير{[31477]} ، وذلك هو سبب تحريمها ؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف{[31478]} الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريماً وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة{[31479]} إلى طهرته{[31480]} ، وكما اختلف{[31481]} أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك ، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم ، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه ، ورين على القلب أو صفاء ، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره ، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع{[31482]} الحلال قوله تعالى
قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً }[ الأنعام : 125 ] هذا لمضرته بالبدن { أو لحم خنزير } وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى{[31483]} { فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به } وهذا لرينه على القلب ، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعاراً بأن التحريم كان مستحقاً في أول الدين ولكن أخر{[31484]} إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة تأليفاً لقلوب المشركين وتيسيراً على ضعفاء الدين{[31485]} الذين آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصاراً منهم حتى أن الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه{[31486]} في زمن الجاهلية لما{[31487]} رأى فيها من نزف العقل ، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام ! وألحق بها في سورة { الذين آمنوا } ما كان قتله{[31488]} سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما أدرك{[31489]} بالتذكية المنهرة للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة السطوة ، وألحق بها أيضاً{[31490]} في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة ، وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه{[31491]} حظ من ذلك ، فألحق بالخنزير السباع حماية{[31492]} من سورة غضبها لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلاّ لسيدهم ، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق ، وألحق صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع{[31493]} تحريمَ المسكر الذي سكره مصنوع ، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا ، والربا{[31494]} بضع وسبعون باباً والشرك مثل ذلك ، وجامع منزله في قوله تعالى { الذين يأكلون الربا } إلى قوله : وأحل الله البيع وحرم الربا{[31495]} }[ البقرة : 275 ] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله :{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة{[31496]} }[ آل عمران : 113 ] - الآية ما يلحق بذلك في قوله :{ وما آتيتم من ربا{[31497]} }[ الروم : 39 ] - الآية ، هكذا قال : إن هذه الآية مدنية ، وهو - مع{[31498]} كوني لم أره لغيره - مشكل بقوله{ وقد فصل لكم ما حرم عليكم{[31499]} }[ الأنعام : 119 ] - الآية .
ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد ، كان فيه{[31500]} الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله ، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية ، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة حتى أنه{[31501]} حمي من صورته{[31502]} من الثقة بسلامة الباطن منه ، وعمل{[31503]} بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه ، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى ، وجامع منزله في قوله تعالى :{ و{[31504]} لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام{[31505]} }[ البقرة : 188 ] - الآية إلى ما ينتظم به{[31506]} من قوله تعالى{ يا أيها الذين آمنوا{[31507]} لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }[ النساء : 29 ] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم{[31508]} }[ النسا : 2 ] - الآيات في أموال اليتامى ، فحرمه تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى ، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول : من جهة ما بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين{[31509]} نفسه ، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره ، مما تستقرأ{[31510]} جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة ؛ ولما كان له متسع ، وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه ، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى ، وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه " الطيب{[31511]} " ، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها ، وهو الورع الذي هو ملاك الدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف{[31512]} الحرام تماماً في العلم والحال والعمل : اعلم أن الإنسان لما كان خلقاً جامعاً كانت فيه بزرتان : بزرة للخير وبزرة للشر ، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة{[31513]} نبات بزرة الشر تنمو{[31514]} فيه وتزكو بزرة الخير ، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده ، فأول الحروف في الترتيب العمل ، والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام ، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء ، فهو الأساس الذي ينبني{[31515]} عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل ، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق وما يغضب الرب ، فمن أصاب شيئاً من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها " من لم يبال من أيّ باب دخل{[31516]} عليه رزقه لم يبال الله من أيّ باب أدخله النار " .
ولما كان الورع كف اليد ظاهراً{[31517]} عن الشيء الضار ، وكانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس ، لم يصح الورع ظاهراً{[31518]} إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء ؛{[31519]} ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس{[31520]} لما تدرك العين قذره{[31521]} حتى أن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات ، فأكلة الحرام هم{[31522]} دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل .
ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة ، تيسر على المستبصر كف يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه ، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق ، قلت : وسيأتي قريباً تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلاً في النفس وتطبيعاً لها{[31523]} بخلق ما هو{[31524]} دمه من اللحم - والله الموفق ؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس ، والرجس هو{[31525]} خبائث الأخلاق{[31526]} التي هي{[31527]} عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان ، وذلك لأن{[31528]} من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق{[31529]} من أخلاقه ، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد ، والانكباب على ما تقبل{[31530]} عليه في أدنى{[31531]} الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق ، وكذلك ما يضر بهما{[31532]} وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس ، ولذلك هي جماع الإثم ، فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها{[31533]} في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين ، ومن شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، وهي عصارة أهل النار ، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها ، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من{[31534]} أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل ، ولها في ذاته مضرة في الوقت{[31535]} بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً{[31536]} }[ النساء : 10 ] وإن لم يحس بها ، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله تعالى{ وسيصلون سعيراً }[ النساء : 10 ] ، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره ، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله ، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا ، ولما فيه أيضاً من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها{[31537]} بالإيمان من تعريف ربه ، فإنه تعالى كما{[31538]} عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن ، عرف أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس{[31539]} }[ البقرة : 275 ] وأعظم{[31540]} من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه ، لأنه مأخوذ عن غير الله ، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقاً وكفراً{[31541]} لأنه تناول الروح من يد من لا يملكها ، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك ، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه ، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده ، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " كثر هؤلاء من القراء ، لا كثّرهم الله ! " ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف سواه ولا تصح له عبادة ، وهو الذي لا تزيده صلاته{[31542]} من الله إلا بعدا ، ولا يقبل منه دعاؤه " الرجل يطلب الله مطعمه{[31543]} حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، يقول : يا رب ! يا رب ! فأنى يستجاب لذلك ! " فهذه{[31544]} قراءة هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق .