الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (146)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ": أحبار اليهود وعلماء النصارى. يقول: يعرف هؤلاء الأحبار من اليهود والعلماء من النصارى أن البيت الحرام قبلتهم وقبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك، كما يعرفون أبناءهم.

"وَإنّ فَريقا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ": وإن طائفة من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى...

"لَيَكْتُمُونَ الحَقّ": وذلك الحقّ هو القبلة التي وجه الله عز وجلّ إليها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، يقول: فولّ وجهك شطر المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمد صلى الله عليه وسلم يتوجهون إليها. فكتمتها اليهود والنصارى، فتوجه بعضهم شرقا وبعضهم نحو بيت المقدس، ورفضوا ما أمرهم الله به، وكتموا مع ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله عز وجلّ محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته على خيانتهم الله تبارك وتعالى، وخيانتهم عباده، وكتمانهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحقّ غيره، وأن الواجب عليهم من الله جل ثناؤه خلافه فقال: "ليكتمون الحقّ وهم يعلمون "أن ليس لهم كتمانه، فيتعمدون معصية الله تبارك وتعالى.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم. فعلى ذلك معرفة الرسل عليهم السلام إنما تكون بالدلائل والأعلام؛ وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا، وتناكروا، وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق. دليله [قوله]: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون).

والكتمان أبدا إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان.

روي عن عبد الله بن سلام أنه قال: (أعرفه أكثر مما أعرف ولدي لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي).

وفيه الدلالة أن بعثه وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد؛ حين أخبر أنهم كتموا ذلك [وقيل: (ليكتمون الحق)]، لا يؤمنون، وهو علم ما بينا من نفي بذهاب نفعه. وجائز ان يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم كما قال الله عز وجل: (الرسول النبي الأمي الذي يجدونه) الآية [الأعراف: 157].

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام: لقد أُنزل الله على نبيّه {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فكيف يا عبدالله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفةً بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟ فقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت.

{وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} يعني صفة محمّد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{يَعْرِفُونَهُ} يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم... وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع. ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوماً بغير إعلام. وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة. وقوله: (كما يعرفون أبناءهم) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام.

فإن قلت: لم اختص الأبناء؟ قلت: لأنّ الذكور أشهر وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. وقال {فريقاً منهم} استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذين [قال الله تعالى فيهم] {وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب} [البقرة: 78].

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

{الذين آتيناهم الكتاب}... ولفظ آتيناهم أبلغ من أوتوا، لإسناد الإيتاء إلى الله تعالى، معبراً عنه بنون العظمة، وكذا ما يجيء من نحو هذا، مراداً به الإكرام نحو: هدينا، واجتبينا، واصطفينا. قيل: ولأن أوتوا قد يستعمل فيما لم يكن له قبول، وآتيناهم أكثر ما يستعمل فيما له قبول نحو: {الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة}... وإذا أريد بالكتاب أكثر من واحد، فوحد، لأنه صرف إلى المكتوب المعبر عنه بالمصدر...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم وذلك الإنكار، وهو أنهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

ولكن فريقا منهم -وهم أكثرهم- الذين كفروا به، كتموا هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} وفي ضمن ذلك، تسلية للرسول والمؤمنين، وتحذير له من شرهم وشبههم، وفريق منهم لم يكتموا الحق وهم يعلمون، فمنهم من آمن [به] ومنهم من كفر [به] جهلا، فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه، وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهؤلاء الكاتمون، عكسوا الأمر، فانعكست أحوالهم...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وعدل عن أن يقال يعلمونه إلى {يعرفونه} لأن المعرفة تتعلق غالباً بالذوات والأمور المحسوسة قال تعالى: {تعرف في وجوههم نضرة النعيم} [المطففين: 24]...

ولهذا لا يعدى فعل العرفان إلى مفعولين كما تُعدى أفعال الظن والعلم، ولهذا يوصف الله تعالى بصفة العلم فيقال العليم، ولا يوصف بصفة المعرفة فلا يقال الله يعرف كذا، فالمعنى يعرفون صفات الرسول صلى الله عليه وسلم وعلاماته المذكورة في كتبهم، ويعرفون الحق كالشيء المشاهد...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

هذه الآية تميط اللثام في الواقع عن حقيقة هامّة، هي إن صفات نبي الإِسلام الجسمية والروحية وخصائصه كانت بقدر من الوضوح في الكتب السماوية السابقة، بحيث ترسم الصورة الكاملة في أذهان المطلعين على هذه الكتب. وهل من الممكن أن تصرح الآية بوجود اسم النّبي وعلاماته في كتب أهل الكتاب إذا لم تكن بالفعل موجودة عندهم؟! ألا يدل عدم معارضة علماء اليهود لهذا التصريح، بل اعتراف بعضهم به واستسلامهم للحق، أن اسم النّبي الخاتم وصفاته كانت معروفة لديهم!؟ [ف] هذه الآيات إذن دليل على صدق دعوة الرّسول وصحّة نبوته...

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (146)

{ يعرفونه } أي : يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر القبلة .

{ كما يعرفون أبناءهم } مبالغة في وصف المعرفة ، وقال عبد الله بن سلام : معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني لأن ابني قد يمكن فيه الشك .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (146)

ولما ختم الخطاب بالإشارة بقوله : { أهواءهم{[5512]} } إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحاً كما فتحه بالإعلام به تصريحاً كرّ على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق{[5513]} إشارة إلى ما تبطنوه{[5514]} من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمراً له على وجه يصلح أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معظماً لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه سبحانه : { الذين آتيناهم }{[5515]} أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون{[5516]} { الكتاب يعرفونه }{[5517]} أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكمال{[5518]} علمهم به { كما يعرفون أبناءهم } لا يشكون في حقية ذلك بوجه لظهور دلائله عندهم ، لأنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع نعوته معرفة{[5519]} لا يشكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله ، فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة ، وذلك كما أنهم لا يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم ؛ والحاصل أن معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته ، ومعرفتهم بأمر التحويل{[5520]} يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها ، ولذلك قال الحرالي : في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره ، لأن العارف بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه ، فلذلك معنى المعرفة لتعلقها بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر{[5521]} ؛ وإنما لم تجز{[5522]} في أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة ، ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين : علم على تشهد{[5523]} الأشياء ببواديها ، وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها ؛ وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كياناً كياناً إلى ظهوره ، ولو لم يكن شاهده{[5524]} عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره ( فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به }[ البقرة : 89 ] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه لاعتلاقه بفؤاده ، ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه { وإن فريقاً منهم } أي أهل الكتاب { ليكتمون الحق } أي يخفونه ولا يعلنونه . {[5525]}

ولما كان لا يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال : { وهم يعلمون } أي أنه حق وأنهم آثمون بكتمانه ، فجعلهم أصنافاً : صنفاً عرفوه فاتبعوه ، وصنفاً عرفوه فأنكروه كما في إفهامه وفريقاً علموه فكتموه ؛ وفي تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم ، فلذلك كانوا ثلاثة أصناف : عارف ثابت ، وعارف منكر{[5526]} هو أردؤهم{[5527]} ، وعالم كاتم لاحق به ؛ وفي مثال يكتمون ويعلمون إشعار بتماديهم في العلم وتماديهم في الكتمان .


[5512]:في م: "بأهواهم"
[5513]:في مد: التحقيق
[5514]:في ظ: يبطنوه
[5515]:ليست في ظ
[5516]:ليست في ظ
[5517]:العبارة من هنا إلى أبناءهم" ليست في م.
[5518]:في ظ: كان
[5519]:زيد من م و ظ
[5520]:زيد من م و ظ ومد
[5521]:وقع في الأصل: الفلك – كذا مصحفا، والتصحيح من بقية الأصول.
[5522]:في م ومد: ولم تجر
[5523]:في م ومد: يشهد
[5524]:من م و ظ ومد، وفي الأصل: شاهدة
[5525]:والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم –قاله قتادة ومجاهد، أو التوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة،أو أعم من ذلك فيندرج فيه كل حق – البحر المحيط 1/ 436.
[5526]:في ظ: متكبر
[5527]:ي م ومد و ظ: ارداؤهم، وفي الأصل: اراداؤهم - كذا