الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (146)

قوله تعالى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ } : فيه ستةُ أوجهٍ أظهرُها : أنَّه مرفوع بالابتداءِ ، والخبرُ وقوله " يَعْرفونه " . الثاني : أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي : هم الذين آتيناهم . الثالث : النصبُ بإضمار أعني . الرابعُ : الجرُّ على البدلِ من " الظالمين " . الخامس : على الصفةِ للظالمين . السادس : النصبُ على البدلِ من { الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ } في الآيةِ قبلَها .

قوله : " يَعْرفونه " فيه وجهان ، أحدُهما : أنه خبرٌ للذين آتيناهم كما تقدَّم في أحدِ الأوجهِ المذكورةِ في " الذين آتيناهم " . الثاني : أنه نصبٌ على الحالِ على باقيةِ الأقوالِ المذكورةِ ، وفي صاحبِ الحالِ وجهان ، أحدُهما : المفعولُ الأولُ لآتيناهم ، والثاني : المفعولُ الثاني وهو الكتاب ، لأنَّ في " يَعْرفُونه " ضميرين يعودان عليهما . والضمير في " يَعْرفونه " فيه أقوالٌ ، أحدُهما : أنه يعودُ على الحقِّ الذين هو التحوُّل . الثاني : على القرآن . الثالث : على العِلْم ، الرابع : على البيتِ الحرام ، الخامس : على النبي صلى الله عليه وسلم وبه بدأ الزمخشري ، واختاره الزجاج وغيرُه ، قالوا : وأُضْمِرَ وإنْ لم يَسْبِقْ له ذِكْرٌ لدلالة الكلامِ عليه وعَدِمِ الَّلبْسِ ، ومثلُ هذا الإِضمارِ فيه تفخيمٌ له كأنَّه لشُهْرَتِه وكونِه علماً معلوماً مستغنىً عن ذِكْرِهِ بلفظِه . قال الشيخ : " بل هذا من بابِ الالتفات من الخطابِ في قوله : " قولِّ وجهَك " إلى الغيبة " .

قوله : { كَمَا يَعْرِفُونَ } الكافُ في محلِّ نَصْبٍ . إمَّا على كونِها نَعْتاً لمصدرٍ محذوفٍ أي : مَعرفةً كائنةً مثلَ معرفتِهم أبناءَهم أو في موضعِ نصبٍ على الحالِ من ضمير ذلك المصدرِ المعرفةِ المحذوفِ ، التقديرُ : يعرفونه المعرفةَ مماثلة لعرفانهم ، وهذا مذهبُ سيبويه ، وتقدَّم تحقيقُ هذا . و " ما " مصدريةٌ لأنه يَنْسَبِكُ منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ كما تقدَّم تحقيقُه .

قوله : { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } جملةٌ اسميةٌ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعلِ يكتُمون ، والأقربُ فيها أَنْ تكونَ حالاً لأنَّ لفظَ " يكتمُون الحق " يَدُلُّ على عِلْمه إذ الكتمُ إخفاءُ ما يُعْلَمُ ، وقيل : متعلَّقُ العلم هو ما على الكاتمِ من العقابِ ، أي : وهم يعلمونَ العقابَ المُرَتَّبَ على كاتم الحق ، فتكونُ إذ ذاكَ حالاً مبيِّنةً .