الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته "بِمَا كانَوا بآياتِنا يَظْلِمُونَ "يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

«الآيات» هنا البراهين والأوامر والنواهي. و {يظلمون} أي يضعونها في غير مواضعها بالكفر والتكذيب...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

... {الذين خسروا أنفسهم} أي التي هي رأس مالهم، فكيف بما دونها...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

..وظاهر هذا التقسيم أنه لفريقي المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الفلاح، والكافرين على تفاوت دركاتهم في الخسران، فإن من مات مؤمنا فهو مفلح وإن عذب على بعض ذنوبه بقدرها، فهذا الوزن الإجمالي الذي يمتاز به فريق الجنة وفريق السعير وهنالك قسم ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أصحاب الأعراف وسيأتي ذكرهم في هذه السورة، ويتبع الوزن الإجمالي الوزن التفصيلي للفريقين...

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

..وإذا كان العلم الحديث كشف موازين للحر والبرد واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين للأعمال النفسية والبدنية التي سماها الدين الحسنات والسيئات، بما تحدثه في الأنفس من الأخلاق والصفات الثابتة فيها؟...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

... قد خسروا أنفسهم. فماذا يكسبون بعد؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه. فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له؟... ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان -كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر "الإسلامي "!...

فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبيه والمثيل. مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء.. وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق.. من أن الحساب يومئذ بالحق، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والخسران حقيقته ضد الرّبح، وهو عدم تحصيل التّاجر على ما يستفضله من بيعه، ويستعار لفقدان نفع ما يرجى منه النّفع، فمعنى {خسروا أَنفُسَهُم} فقدوا فوائدها، فإن كلّ أحد يرجو من مواهبه، وهي مجموع نفْسِه، أن تجلب له النّفع وتدفع عنه الضرّ: بالرأي السَّديد، وابتكار العمل المفيد، ونفوس المشركين قد سوّلت لهم أعمالاً كانت سبب خفّة موازين أعمالهم، أي سبب فقد الأعمال الصّالحة منهم، فكانت نفوسهم كرأس مال التّاجر الذي رجا منه زيادة الرّزق فأضاعه كلّه فهو خاسر له، فكذلك هؤلاء خسروا أنفسهم إذ أوقعتهم في العذاب المقيم، وانظر ما تقدّم في قوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} في سورة الأنعام (20). وقوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} في سورة البقرة (16).

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

... وخسران نفوسهم في هذا يشير إلى معان ثلاثة:

أولها: انهم هم الذين كانوا بأعمالهم في الدنيا عاملين على خسارتها فلم تكن الخسارة لاحقة بهم من غيرهم.

ثانيها: أن العذاب خسارة للنفس أي خسارة وأنهم هم الذين جلبوا لها هذه الخسارة الخالدة.

ثالثها: انهم كانوا يحسبون في ضلالهم في الدنيا انهم يكسبون بغطرستهم وكبريائهم واغترارهم بمظاهر القوة فبين الله تعالى انهم الاخسرون أعمالا، وذلك عند ميزان الأعمال بميزان الخير والشر، لا بميزان الغرور والاستكبار.

وقوله تعالى: (بما كانوا بآياتنا يظلمون) أي أن هذه الخسارة التي خسروا بها أنفسهم بسبب أنهم كانوا مستمرين طول حياتهم الدنيوية مكذبين بآياتنا الدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وأضاف سبحانه وتعالى الآيات اليه للإشارة إلى عظم تكذيبهم لأنهم يكذبون الآيات المنسوبة إليه، سبحانه وتعالى، فتكذيب اكبر من في الوجود ومنشئ الوجود اكبر تكذيب واكبر ظلم وقدم قوله تعالى: (بآياتنا) على (يظلمون) لان الآيات الله هي محور الحق وميزانه وبرهانه...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

قوله تعالى : " والوزن يومئذ الحق " ابتداء وخبر . ويجوز أن يكون " الحق " نعته ، والخبر " يومئذ " . ويجوز نصب " الحق " على المصدر . والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان . قال ابن عمر : توزن صحائف أعمال العباد . وهذا هو الصحيح ، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي . وقيل : الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق . وقال مجاهد : الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها . وعنه أيضا والضحاك والأعمش : الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء ، وذكر الوزن ضرب مثل ، كما تقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن . قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان ، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان . قال القشيري : وقد أحسن فيما قال ، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق ، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد ، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة ، والملائكة على القوى المحمودة . وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل . وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر ، وصارت هذه الظواهر نصوصا . قال ابن فورك : وقد أنكرت المعتزلة{[7008]} الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها ، إذ لا تقوم بأنفسها . ومن المتكلمين من يقول : إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة . وهذا ليس بصحيح عندنا ، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة ، وبها تخف . وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك ، وهو أنه روي ( أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه " لا إله إلا الله " فيثقل ) . فقد علم أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال ، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد ، ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال . وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال : قال رجل لابن عمر : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى{[7009]} ؟ قال سمعته يقول : ( يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف ؟ فيقول أي رب أعرف قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ) . فقوله : ( فيعطى صحيفة حسناته ) دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن . وروى ابن ماجة من حديث عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا ، فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول : لا . ثم يقول ألك عذر ألك حسنة ؟ فيهاب الرجل فيقول : لا . فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم ، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ) . زاد الترمذي ( فلا يثقل مع اسم الله شيء ) وقال : حديث حسن غريب . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " الكهف{[7010]} والأنبياء{[7011]} " إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون " جمع ميزان ، وأصله مِوْزَان ، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله . ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع ، كما تقول : خرج فلان إلى مكة على البغال ، وخرج إلى البصرة في السفن . وفي التنزيل : " كذبت قوم نوح المرسلين " [ الشعراء : 105 ] . " كذبت عاد المرسلين{[7012]} " [ الشعراء : 123 ] . وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين . وقيل : الموازين جمع موزون ، لا جمع ميزان . أراد بالموازين الأعمال الموزونة . " ومن خفت موازينه " مثله . وقال ابن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان كفتان ، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته ، فذلك قوله : " فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون " ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار . وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل : يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا ، فيقع الوزن على تلك الجواهر . ورده ابن فورك وغيره . وفي الخبر ( إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات ، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت ؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ) . ذكره القشيري في تفسيره . وذكر أن البطاقة ( بكسر الباء ) رقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر . وقال ابن ماجة : قال محمد بن يحيى : البطاقة الرقعة ، وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة . وقال حذيفة : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، يقول الله تعالى : ( يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض ) . قال : وليس ثم ذهب ولا فضة ، فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم ، فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ، ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ) .


[7008]:في ز: الإمامية
[7009]:يريد مناجاة الله تعالى للعبد يوم القيامة.
[7010]:راجع ج 11 ص 22 وص 293.
[7011]:راجع ج 13 ص 118 وص 122.
[7012]:راجع ج 13 ص 118 وص 122

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ} (9)

وفي المقابل أولئك الذين تخف حسناتهم فثقل عليها سيئاتهم { فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } أي أوردوا أنفسهم العذاب في النار بسبب جحودهم آيات الله وهي حججه ودلائله ؛ فقد كذبوا بها تكذيبا .