تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم ذكر مصير المؤمنين، فقال سبحانه: {إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}، يقول: لا نضيع أجر من أحسن العمل، ولكنا نجزيه بإحسانه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلى أمره ونهيه، إنا لا نضيع ثواب من أحسن عملاً، فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نجازيه بطاعته وعمله الحسن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار...
اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد المبطلين أردفه بوعد المحقين وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان لأن العطف يوجب المغايرة.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فكأنه قيل: فما لمن آمن؟ فقال تعالى: {إن الذين ءامنوا} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر، عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى: {وعملوا الصالحات} ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى: {إنا لا نضيع} أي بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا {أجر من أحسن عملاً} مشيراً بإظهار ضميرهم إلى أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً مراعى فيه حال السامعين من المؤمنين، فإنهم حين يسمعون ما أعد للمشركين تتشوف نفوسهم إلى معرفة ما أعد للذين آمنوا ونبذوا الشرك فأعلِموا أن عملهم مرعي عند ربهم. وجريا على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والترهيب بالترغيب. وافتتاح الجملة بحرف التوكيد (إن) لتحقيق مضمونها. وإعادةُ حرف (إن) في الجملة المخبر بها عن المبتدأ الواقع في الجملة الأولى لمزيد العناية والتحقيق... والإضاعة: جعل الشيء ضائعاً. وحقيقة الضيعة: تلف الشيء من مظنة وجوده. وتطلق مجازاً على انعدام الانتفاع بشيء موجود فكأنه قد ضاع وتلف، قال تعالى: {أني لا أضيع عَمَل عامل منكم} في سورة آل عمران (195)، وقال: {وما كان الله ليُضِيع إيمانكم} في البقرة (143). ويطلق على منع التمكين من شيء والانتفاع به تشبيهاً للممنوع بالضائع في اليأس من التمكن منه كما في هذه الآية، أي أنا لا نَحْرم من أحسن عملاً أجرَ عمله. ومنه قوله تعالى: {إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: 120]...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
جعل الله تعالى سبب ما يستقبلهم من النعيم أمريْن: الأمر الأول: إيمان صادق وإخلاص يعمر القلوب فإنه لا ثواب من غير قلب منيب. الأمر الثاني: عمل صالح نافع بأداء ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه في استقامة قلب، وكمال قصد واتجاه إلى النفع. ويلاحظ هنا أنه أظهر في موضع الإضمار فلم يقل إنا لا نضيع أجرهم، بذكر الضمير الذي يربط بين المبتدأ والخبر، بل أظهر بالموصول، فقال: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}، لبيان أن استحقاقه الأجر بسبب إحسان العمل وإتقانه، وقد أكد الجزاء وأنه لا يضيع عملا، ولا يظلم الناس أشياءهم في قوله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا} أكّد الكلام ب (إن) وبإضافة الجزاء إليه جل جلاله. هنا ذكر الجزاء مبهما، أو ذكره سلبيا، بأنه سبحانه وتعالى لا يَحْرِمُهم من حقوقهم، ولا يضيع عليهم أجورهم...
وليكن في الاعتبار أن المتكلم رب حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلم عن الإيمان جعله اختياراً خاضعاً لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجح أن يكون الإيمان أولاً وأن يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أن "درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة"...
وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العمل الصالح؛ لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أن توثق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنت به؛ لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدة من كتاب الله... ثم يقول تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً}: نلاحظ أن (من) هنا عامة للمؤمن والكافر؛ لذلك لم يقل سبحانه: إنا لا نضيع أجر من أحسن الإيمان؛ لأن العامل الذي يحسن العمل قد يكون كافراً، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حقه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا. فالكافر إن اجتهد وأحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تعجل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حظ له في الآخرة...
والإنسان إنما يطلب أجره ممن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يبق لهم شيء في الآخرة...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} واختاروا الإيمان من موقع فكرهم، وحوّلوه إلى موقف وممارسة من خلال جدّيتهم في حركة المسؤولية، {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} اتخذ لنفسه الموقف الصحيح المتوازن في العمل الأحسن المرتكز على الفكر الأفضل. وبذلك كان يمثل العامل الكادح في الحياة المسؤولة، الذي كان كدحه لربّه في المستوى الذي يستحق عليه الأجر العظيم منه، وهو ما يحفظه الله له في حساب الثواب والرضوان في يوم القيامة...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
وبما أنَّ أُسلوب القرآن أُسلوب تربوي وتطبيقي، فإنَّهُ بعدما بيّن أوصاف وجزاء عبيد الدنيا، ذكر حال المؤمنين الحقيقيين وجوائزهم الثمينة الغالية التي تنتظرهم جزاء ما فعلوا. لقد أجملت الآية كل ذلك بشكل مُختصر، ثمّ بشكل تفصيلي نوعاً ما. ففي البدء قال تعالى: (إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر مَن أحسن عملا) أي إِنّنا لا نضيع أعمال العاملين قليلة كانت أو كثيرة، كُلية أو جزئية، ومَن أي شخص وفي أي عُمر كان...
لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب . وفي الكلام إضمار ، أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا ، فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله محبط . و " عملا " نصب على التمييز ، وإن شئت بإيقاع " أحسن " عليه . وقيل : " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " كلام معترض ، والخبر قوله " أولئك لهم جنات عدن " . و " جنات عدن " سُرَّةُ الجنة ، أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها وذكرت بلفظ الجمع لسعتها ؛ لأن كل بقعة منها تصلح أن تكون جنة وقيل : العدن الإقامة ، يقال : عدن بالمكان إذا أقام به وعدنت البلد توطنته ، وعدنت الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه ، ومنه " جنات عدن " أي جنات إقامة ومنه سمي المعدن ( بكسر الدال ) ؛ لأن الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء ومركز كل شيء معدنه والعادن : الناقة المقيمة في المرعى . وعدن بلد ، قاله الجوهري . " تجري من تحتهم الأنهار " تقدم في غير موضع{[10519]} . " يحلون فيها من أساور من ذهب " وهو جمع سوار . قال سعيد بن جبير : على كل واحد منهم ثلاثة أسورة : واحد من ذهب ، وواحد من ورق ، وواحد من لؤلؤ .
قلت : هذا منصوص في القرآن ، قال هنا " من ذهب " وقال في الحج{[10520]} وفاطر{[10521]} " من ذهب{[10522]} ولؤلؤا " [ الحج : 23 ] وفي الإنسان{[10523]} " من فضة " [ الإنسان : 21 ] . وقال أبو هريرة : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) خرجه مسلم . وحكى الفراء : " يحلون " بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام خفيفة ، يقال : حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي . وحلي الشيء بعيني يحلى ، ذكره النحاس . والسوار سوار المرأة ، والجمع أسورة ، وجمع الجمع أساورة . وقرئ " فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب " [ الزخرف : وقد يكون الجمع أساور . وقال الله تعالى " يحلون فيها من أساور من ذهب " قاله الجوهري . وقال ابن عزيز : أساور جمع أسورة ، وأسورة جمع سوار وسوار ، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب ، فإن كان من فضة فهو قُلْب وجمعه قِلَبَة ، فإن كان من قرن أو عاج فهي مَسَكَة وجمعه مَسَك . قال النحاس : وحكى قطرب في واحد الأساور إسوار ، وقطرب صاحب شذوذ ، قد تركه يعقوب وغيره فلم يذكره .
قلت : قد جاء في الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء : وأحدها إسوار . وقال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور . والتيجان جعل الله تعالى ذلك لأهل الجنة .
قوله تعالى : " ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق " السندس : الرفيق النحيف ، واحده سندسة ، قال الكسائي . والإستبرق : ما ثخن منه - عن عكرمة - وهو الحرير . قال الشاعر :
تراهنّ يلبسن المشاعر مرة *** وإستبرقُ الديباج طوراً لباسُهَا
فالإستبرق الديباج . ابن بحر : المنسوج بالذهب . القتبي : فارسي معرب . الجوهري : وتصغيره أبيرق . وقيل : هو استفعل من البريق . والصحيح أنه وفاق بين اللغتين ؛ إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، على ما تقدم ، والله أعلم . "
وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر ؛ لأن البياض يبدد النظر ويؤلم ، والسواد يذم ، والخضرة بين البياض والسواد ، وذلك يجمع الشعاع . والله أعلم . روى النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله ، أخبرنا عن ثياب الجنة ، أخلق يخلق أم نسج ينسج ؟ فضحك بعض القوم . فقال لهم : ( مم تضحكون من جاهل يسأل عالما ) فجلس يسيرا أو قليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أين السائل عن ثياب الجنة ) ؟ فقال : ها هو ذا يا رسول الله ، قال ( لا بل تشقق عنها ثمر الحنة ) قالها ثلاثا . وقال أبو هريرة : دار المؤمن درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حلة منظمة بالدر والمرجان . ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه . وقد ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة . وذكر في الحديث أنه يكون على كل واحد منهم الحلة لها وجهان لكل وجه لون ، يتكلمان به بصوت يستحسنه سامعه ، يقول أحد الوجهين للآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا ألي جسده وأنت لا تلي . ويقول الآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا أبصر وجهه وأنت لا تبصر .
قوله تعالى : " متكئين فيها على الأرائك " " الأرائك " جمع أريكة ، وهي السرر في الحجال{[10524]} . وقيل الفرش في الحجال ، قاله الزجاج . ابن عباس : هي الأسرة من ذهب ، وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال ، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية . وأصل متكئين موتكئين ، وكذلك اتكأ أصله أو تكأ ، وأصل التكأة وكأة ، ومنه التوكأ للتحامل على الشيء ، فقلبت الواو تاء وأدغمت . ورجل وكأة كثير الاتكاء . " نعم الثواب وحسنت مرتفقا " يعني الجنات ، عكس " وساءت مرتفقا " . وقد تقدم . ولو كان " نعمت " لجاز لأنه اسم للجنة . وعلى هذا " وحسنت مرتفقا " . وروى البراء بن عازب أن أعرابيا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال : إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " الآية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم ) ذكره الماوردي ، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن ، قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : قام أعرابي . . . ؛ فذكره . وأسنده السهيلي في كتاب الأعلام . وقد روينا جميع ذلك بالإجازة ، والحمد لله .