الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا} (33)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{كلتا الجنتين ءاتت أكلها}، يعني: أعطت ثمراتها كلها،

{ولم تظلم منه شيئا}، يعني: ولم تنقص من الثمر شيئا...

{وفجرنا خلالهما نهرا}، يعني: أجرينا النهر وسط الجنتين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"كِلْتا الجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها" يقول: كلا البُستانَين أطعم ثمره وما فيه من الغروس من النخل والكَرْم وصنوف الزرع...

"ولَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا" يقول: ولم تنقص من الأكل شيئا، بل آتت ذلك تاما كاملاً...

"وَفَجّرْنا خِلاَلهُما نَهَرا" يقول تعالى ذكره: وَسيّلنا خلال هذين البستانين نهرا، يعني بينهما وبين أشجارهما نهرا. وقيل: وفَجّرْنا فثقل الجيم منه، لأن التفجير في النهر كله، وذلك أنه يميد ماء فيسيل بعضه بعضا...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{كلتا الجَنتين آتت أكلُها} أي ثمرها وزرعها، وسماه أكُلاً لأنه مأكول. {ولم تظلم منه شيئاً} أي استكمل جميع ثمارها وزرعها. {وفجرنا خِلالهما نهراً} يعني أن فيهما أنهاراً من الماء، فيكون ثمرها وزرعها بدوام الماء فيهما أَوْفَى وأَرْوَى، وهذه غاية الصفات فيما يجدي ويُغِلُّ...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الشجر قد يكون فاسداً من جهة أرضه، نفى ذلك بقوله تعالى؛ جواباً لمن كأنه قال: ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرهما؟: {كلتا} أي كل واحدة من {الجنتين} المذكورتين {ءاتت أكلها} أي ما يطلب منها ويؤكل من ثمر وحب، كاملاً غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة، وهو معنى: {ولم تظلم} أي تنقص حساً ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه {منه شيئاً}. ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى: {وفجرنا} أي تفجيراً يناسب عظمتنا {خلالهما نهراً} أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط؛ ...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ويختار التعبير كلمة (تظلم) في معنى تنقص وتمنع، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر، وازدهى وتكبر...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... وجملة {كلتا الجنتين آتت أكلها} معترضة بين الجمل المتعاطفة. والمعنى: أثمرت الجنتان إثماراً كثيراً حتى أشبهت المعطي من عنده.

ومعنى {ولم تظلم منه شيئاً} لم تَنقُصْ منه، أي من أكُلها شَيئاً، أي لم تنقصه عن مقدار ما تُعطيه الأشجار في حال الخِصب. ففي الكلام إيجاز بحذف مضاف. والتقدير: ولم تظلم من مقدار أمثاله. واستعير الظلم للنقص على طريقة التمثيلية بتشبيه هيئة صاحب الجنتين في إتقان خَبْرِهما وترقب إثمارهما بهيئة من صار له حق في وفرة غلتها بحيث إذا لم تَأت الجنتان بما هو مترقب منهما أشبَهتا من حَرم ذَا حق حقه فظَلمه، فاستعير الظلم لإقلال الإغلال، واستعير نفيه للوفاء بحق الإثمار.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا} (33)

قوله تعالى : " كلتا الجنتين " أي كل واحدة من الجنتين ، واختلف في لفظ " كلتا وكلا " هل هو مفرد أو مثنى ، فقال أهل البصرة : هو مفرد ؛ لأن كلا وكلتا في توكيد الاثنين نظير " كل " في المجموع ، وهو اسم مفرد غير مثنى ، فإذا ولي اسما{[10530]} ظاهرا كان في الرفع والنصب والخفض على حالة واحدة ، تقول : رأيت كلا الرجلين وجاءني كلا الرجلين ومررت بكلا الرجلين ، فإذا اتصل بمضمر قلبت الألف ياء في موضع الجر والنصب ، تقول : رأيت كليهما ومررت بكليهما ، كما تقول عليهما . وقال الفراء : هو مثنى ، وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية . وكذلك كلتا للمؤنث ، ولا يكونان إلا مضافين ولا يتكلم بواحد ، ولو تكلم به لقيل : كِلْ وكِلْتَ وكِلان وكِلْتَان . واحتج بقول الشاعر :

في كِلْتِ رجليْهَا سُلاَمَى{[10531]} واحدَهْ *** كلتاهما مقرونةٌ بزائدهْ

أراد في إحدى رجليها فأفرد . وهذا القول ضعيف عند أهل البصرة ، لأنه لو كان مثنى لوجب أن تكون ألفه في النصب والجر ياء مع الاسم الظاهر ، ولأن معنى " كلا " مخالف لمعنى " كل " لأن " كلا " للإحاطة و " كلا " يدل على شيء مخصوص ، وأما هذا الشاعر فإما حذف الألف للضرورة وقدر أنها زائدة ، وما يكون ضرورة لا يجوز أن يجعل حجة ، فثبت أنه اسم مفرد كمِعَى ، إلا أنه وضع ليدل على التثنية ، كما أن قولهم " نحن " اسم مفرد يدل على اثنين فما فوقهما ، يدل على ذلك قول جرير :

كِلاَ يومي أمَامَة يومَ صَدٍّ{[10532]} *** وإن لم نأتها إلا لِمَامَا

فأخبر عن " كلا " بيوم مفرد ، كما أفرد الخبر بقوله " آتت " ولو كان مثنى لقال آتتا ، ويوما . واختلف أيضا في ألف " كلتا " ، فقال سيبويه : ألف " وكلتا " للتأنيث والتاء بدل من لام الفعل وهي واو والأصل كلوا ، وإنما أبدلت تاء لأن في التاء علم التأنيث ، والألف " في كلتا " قد تصير ياء مع المضمر فتخرج عن علم التأنيث ، فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث . وقال أبو عمر الجرمي : التاء ملحقة والألف لام الفعل ، وتقديرها عنده : فعتل ، ولو كان الأمر على ما زعم الجرمي : التاء ملحقة والألف لام الفعل ، وتقديرها عنده : فِعْتَلٌ ، ولو كان الأمر على ما زعم لقالوا في النسبة إليها كِلْتَوِيٌ ، فلما قالوا : كِلَوِيّ وأسقطوا التاء دل على أنهم أجروها مجرى التاء في أخت إذا نسبت إليها قلت أخوي ؛ ذكره الجوهري . قال أبو جعفر النحاس : وأجاز النحويون في غير القرآن الحمل على المعنى ، وأن تقول : كلتا الجنتين آتتا أكلهما ، لأن المعنى المختار{[10533]} كلتاهما آتتا . وأجاز الفراء : كلتا الجنتين آتى أكله ، قال : لأن المعنى كل الجنتين . قال : وفي قراءة عبدالله " كل الجنتين أتى أكله " . والمعنى على هذا عند الفراء : كل شيء من الجنتين آتي أكله . والأكل ( بضم الهمزة ) ثمر النخل والشجر . وكل ما يؤكل فهو أكل ، ومنه قوله تعالى : " أكلها دائم " {[10534]} [ الرعد : 35 ] وقد تقدم . " آتت أكلها " تاما ولذلك لم يقل آتتا . " ولم تظلم منه شيئا " أي لم تنقص .

قوله تعالى : " وفجرنا خلالهما نهرا " أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين بنهر .


[10530]:كذا في الأصول والصحاح للجوهري وقد نقله عنه صاحب اللسان. وكان الأولى أن يقال: "فإذا وليه اسم ظاهر . . .".
[10531]:السلامى كحبارى: عظام الأصابع في اليد والقدم.
[10532]:كذا في الأصول واللسان مادة "كلا". في ديوانه المطبوع: "يوم صدق". والبيت من قصيدة مطلعها: ألا حي المنازل والخياما *** وسكنا طال فيها ما أقاما
[10533]:في جـ: الجنتان كلتاهما.
[10534]:راجع جـ 9 ص 324.