تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار}، يقول: تجري الأنهار من تحت البساتين،
{يحلون فيها من أساور من ذهب}...
{ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق}، يعني: الديباج بلغة فارس،
{متكئين فيها}، في الجنة، {على الأرائك}، يعني: الحجال مضروبة على السرر،
{نعم الثواب} الجنة، يثني: عليها عمل الأبرار،
{وحسنت مرتفقا}، فيها تقديم، يقول: إنا لا نضيع عمل الأبرار، لا نضيع جزاء من أحسن عملا.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتُ عدن، يعني بساتين إقامة في الآخرة، "تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ "يقول: تجري من دونهم ومن بين أيديهم الأنهار، وقال جلّ ثناؤه: "من تحتهم"، ومعناه: من دونهم وبين أيديهم، "يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ" يقول: يلبسون فيها من الحلي أساور من ذهب...
وقوله: "وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ" والسندس: جمع واحدها سندسة، وهي ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه وثخُن، وقيل: إن الإستبرق: هو الحرير...
وقوله: "مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ" يقول: متكئين في جنات عدن على الأرائك، وهي السرر في الحِجال، واحدتها: أريكة...
وقوله: "نِعْمَ الثَّوَابُ" يقول: نعم الثواب جنات عدن، وما وصف جلّ ثناؤه أنه جعل لهؤلاء الذين آمنوا وعلموا الصالحات "وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا" يقول: وحسنت هذه الأرائك في هذه الجنان التي وصف تعالى ذكره في هذه الآية متكأ...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
...أنه وعد لهم في الآخرة ما كانت أنفسهم ترغب فيه في الدنيا ليتركوا ذلك في الدنيا للموعود في الآخرة. وكذلك حذرهم في الآخرة بأشياء تنفر منها أنفسهم وطباعهم في الدنيا ليحذروا ما يستوجبون الموعود في الآخرة، والله أعلم.
البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :
ولما ذكر مكان أهل الكفر وهو النار. ذكر مكان أهل الإيمان وهي {جنات عدن} ولما ذكر هناك ما يغاثون به وهو الماء كالمهل ذكر هنا ما خص به أهل الجنة من كون الأنهار تجري من تحتهم، ثم ذكر ما أنعم عليهم من التحلية واللباس اللذين هما زينة ظاهرة...
وقدمت التحلية على اللباس لأن الحلي في النفس أعظم وإلى القلب أحب، وفي القيمة أغلى، وفي العين أحلى... ووصف الثياب بالخضرة لأنها أحسن الألوان والنفس تنبسط لها أكثر من غيرها، وقد روي في ذلك أثر إنها تزيد في ضوء البصر...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
فكأنه قيل: فما لهم؟ فقال مفصلاً لما أجمل من وعدهم: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم جنات عدن} أي إقامة، فكأنه قيل: ما لهم فيها؟ فقيل: {تجري من تحتهم} أي تحت منازلهم {الأنهار} فكأنه قيل: ثم ماذا؟ فقيل: {يحلون فيها} وبنى الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية، وهي لعزتها إنما يؤتى بها من الغيب فضلاً من الله تعالى.
ولما كان الله أعظم من كل شيء، فكانت نعمه لا يحصى نوع منها، قال تعالى مبعضاً: {من أساور} جمع أسورة جمع سوار، كما يلبس ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس. ولما كان لمقصودها نظر إلى التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق، وقع الترغيب في طاعته بما هو أعلى من الفضة فقال مبعضاً أيضاً: {من ذهب} أي ذهب هو في غاية العظمة. ولما كان اللباس جزاء العمل وكان موجوداً عندهم، أسند الفعل إليهم فقال تعالى: {ويلبسون ثياباً خضراً} ثم وصفها بقوله تعالى: {من سندس} وهو ما رقّ من الديباج {وإستبرق} وهو ما غلظ منه؛ ثم استأنف الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى: {متكئين فيها} أي لأنهم في غاية الراحة {على الأرائك} أي الأسرة عليها الحجل، ثم مدح هذا فقال تعالى: {نعم الثواب} أي هو لو لم يكن لها وصف غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى! وإلى ذلك أشار بقوله تعالى: {وحسنت} أي الجنة كلها، وميز ذلك بقوله تعالى: {مرتفقاً}.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبينما هؤلاء كذلك إذا الذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات عدن. للإقامة. تجري من تحتهم الأنهار بالري وبهجة المنظر واعتدال النسيم. وهم هنالك للارتفاق حقا (متكئين فيها على الأرائك) وهم رافلون في ألوان من الحرير. من سندس ناعم خفيف ومن إستبرق مخمل كثيف. تزيد عليها أساور من ذهب للزينة والمتاع: (نعم الثواب وحسنت مرتفقا)! ومن شاء فليختر. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن شاء فليجالس فقراء المؤمنين، وجبابهم تفوح منها رائحة العرق أو فلينفر. فمن لم ترضه رائحة العرق من تلك الجباب، التي تضم القلوب الزكية بذكر الله، فليرتفق في سرادق النار، وليهنأ بدردي الزيت أو القيح يغاث به من النار..
لما ذكر ما أعد للكافرين من الهوان ذكر أيضا ما للمؤمنين من الثواب . وفي الكلام إضمار ، أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عملا ، فأما من أحسن عملا من غير المؤمنين فعمله محبط . و " عملا " نصب على التمييز ، وإن شئت بإيقاع " أحسن " عليه . وقيل : " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " كلام معترض ، والخبر قوله " أولئك لهم جنات عدن " . و " جنات عدن " سُرَّةُ الجنة ، أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها وذكرت بلفظ الجمع لسعتها ؛ لأن كل بقعة منها تصلح أن تكون جنة وقيل : العدن الإقامة ، يقال : عدن بالمكان إذا أقام به وعدنت البلد توطنته ، وعدنت الإبل بمكان كذا لزمته فلم تبرح منه ، ومنه " جنات عدن " أي جنات إقامة ومنه سمي المعدن ( بكسر الدال ) ؛ لأن الناس يقيمون فيه بالصيف والشتاء ومركز كل شيء معدنه والعادن : الناقة المقيمة في المرعى . وعدن بلد ، قاله الجوهري . " تجري من تحتهم الأنهار " تقدم في غير موضع{[10519]} . " يحلون فيها من أساور من ذهب " وهو جمع سوار . قال سعيد بن جبير : على كل واحد منهم ثلاثة أسورة : واحد من ذهب ، وواحد من ورق ، وواحد من لؤلؤ .
قلت : هذا منصوص في القرآن ، قال هنا " من ذهب " وقال في الحج{[10520]} وفاطر{[10521]} " من ذهب{[10522]} ولؤلؤا " [ الحج : 23 ] وفي الإنسان{[10523]} " من فضة " [ الإنسان : 21 ] . وقال أبو هريرة : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) خرجه مسلم . وحكى الفراء : " يحلون " بفتح الياء وسكون الحاء وفتح اللام خفيفة ، يقال : حليت المرأة تحلى فهي حالية إذا لبست الحلي . وحلي الشيء بعيني يحلى ، ذكره النحاس . والسوار سوار المرأة ، والجمع أسورة ، وجمع الجمع أساورة . وقرئ " فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب " [ الزخرف : وقد يكون الجمع أساور . وقال الله تعالى " يحلون فيها من أساور من ذهب " قاله الجوهري . وقال ابن عزيز : أساور جمع أسورة ، وأسورة جمع سوار وسوار ، وهو الذي يلبس في الذراع من ذهب ، فإن كان من فضة فهو قُلْب وجمعه قِلَبَة ، فإن كان من قرن أو عاج فهي مَسَكَة وجمعه مَسَك . قال النحاس : وحكى قطرب في واحد الأساور إسوار ، وقطرب صاحب شذوذ ، قد تركه يعقوب وغيره فلم يذكره .
قلت : قد جاء في الصحاح وقال أبو عمرو بن العلاء : وأحدها إسوار . وقال المفسرون : لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور . والتيجان جعل الله تعالى ذلك لأهل الجنة .
قوله تعالى : " ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق " السندس : الرفيق النحيف ، واحده سندسة ، قال الكسائي . والإستبرق : ما ثخن منه - عن عكرمة - وهو الحرير . قال الشاعر :
تراهنّ يلبسن المشاعر مرة *** وإستبرقُ الديباج طوراً لباسُهَا
فالإستبرق الديباج . ابن بحر : المنسوج بالذهب . القتبي : فارسي معرب . الجوهري : وتصغيره أبيرق . وقيل : هو استفعل من البريق . والصحيح أنه وفاق بين اللغتين ؛ إذ ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، على ما تقدم ، والله أعلم . "
وخص الأخضر بالذكر لأنه الموافق للبصر ؛ لأن البياض يبدد النظر ويؤلم ، والسواد يذم ، والخضرة بين البياض والسواد ، وذلك يجمع الشعاع . والله أعلم . روى النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله ، أخبرنا عن ثياب الجنة ، أخلق يخلق أم نسج ينسج ؟ فضحك بعض القوم . فقال لهم : ( مم تضحكون من جاهل يسأل عالما ) فجلس يسيرا أو قليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أين السائل عن ثياب الجنة ) ؟ فقال : ها هو ذا يا رسول الله ، قال ( لا بل تشقق عنها ثمر الحنة ) قالها ثلاثا . وقال أبو هريرة : دار المؤمن درة مجوفة في وسطها شجرة تنبت الحلل ويأخذ بأصبعه أو قال بأصبعيه سبعين حلة منظمة بالدر والمرجان . ذكره يحيى بن سلام في تفسيره وابن المبارك في رقائقه . وقد ذكرنا إسناده في كتاب التذكرة . وذكر في الحديث أنه يكون على كل واحد منهم الحلة لها وجهان لكل وجه لون ، يتكلمان به بصوت يستحسنه سامعه ، يقول أحد الوجهين للآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا ألي جسده وأنت لا تلي . ويقول الآخر : أنا أكرم على ولي الله منك ، أنا أبصر وجهه وأنت لا تبصر .
قوله تعالى : " متكئين فيها على الأرائك " " الأرائك " جمع أريكة ، وهي السرر في الحجال{[10524]} . وقيل الفرش في الحجال ، قاله الزجاج . ابن عباس : هي الأسرة من ذهب ، وهي مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال ، الأريكة ما بين صنعاء إلى أيلة وما بين عدن إلى الجابية . وأصل متكئين موتكئين ، وكذلك اتكأ أصله أو تكأ ، وأصل التكأة وكأة ، ومنه التوكأ للتحامل على الشيء ، فقلبت الواو تاء وأدغمت . ورجل وكأة كثير الاتكاء . " نعم الثواب وحسنت مرتفقا " يعني الجنات ، عكس " وساءت مرتفقا " . وقد تقدم . ولو كان " نعمت " لجاز لأنه اسم للجنة . وعلى هذا " وحسنت مرتفقا " . وروى البراء بن عازب أن أعرابيا قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء فقال : إني رجل مسلم فأخبرني عن هذه الآية " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " الآية ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنت منهم ببعيد ولا هم ببعيد منك هم هؤلاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فأعلم قومك أن هذه الآية نزلت فيهم ) ذكره الماوردي ، وأسنده النحاس في كتاب معاني القرآن ، قال : حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن سهل قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن الضريس عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : قام أعرابي . . . ؛ فذكره . وأسنده السهيلي في كتاب الأعلام . وقد روينا جميع ذلك بالإجازة ، والحمد لله .