تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم قال المؤمن للكافر: {ولولا}، يعني: هلا،
{قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله}، يعني: فهلا قلت بمشيئة الله أعطيتها بغير حول مني ولا قوة، ثم قال المؤمن للكافر يرد عليه: {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول عز ذكره: وهلا إذ دخلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان، وفي الكلام محذوف استغني بدلالة ما ظهر عليه منه، وهو جواب الجزاء، وذلك كان. وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى الذي قلنا كانت "ما "نصبا بوقوع فعل الله عليه، وهو شاء، وجاز طرح الجواب، لأن معنى الكلام معروف، كما قيل: "فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض..."، وترك الجواب، إذ كان مفهوما معناه، وكان بعض أهل العربية يقول "ما" من قوله: "مَا شَاءَ اللَّهُ" في موضع رفع بإضمار هو، كأنه قيل: قلت هو ما شاء الله "لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ" يقول: لا قوة على ما نحاول من طاعته إلا به.
وقوله: "إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا"... قال المؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أنا أقل منك مالا وولدا...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{ولولا إذ دخلت جنتك} أي هلا إذا دخلت جنتك نظرت إلى ما أنعم الله عليك، وقُمتَ بِشُكْرِه دون أن اشْتَغَلْتَ بما زِدْتَهُ، ونظرتَ إلى قلة ذات حالي ويدي، واشتغلت بالافتخار علي؟ وكذلك قال في قوله {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا}...
وقد أفاد أن قول القائل منا "ما شاء الله "ينتظم رَدَّ العين وارتباط النعمة وترك الكِبر؛ لأن فيه إخبار أنه لو قال ذلك لم يصبها ما أصاب...
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
{لا قوة إلا بالله} لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله وهذا توبيخ من المسلم للكافر على مقالته وتعليم له ما يجب أن يقول...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
والمعنى: هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها: الأمر ما شاء الله، اعترافاً بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده: إن شاء تركها عامرة وإن شاء خرّبها، وقلت {لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله} إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى...
"إن ترن..." والمعنى: إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنة.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: {وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ} أَيْ مَنْزِلَك قُلْت: {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ}. قَالَ أَشْهَبُ: قَالَ مَالِكٌ: يَنْبَغِي لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ لِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ: رَأَيْت عَلَى بَابِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ مَكْتُوبًا {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ}...
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: مَا من أَحَدٍ يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ إلَّا رَضِيَ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان المؤمنون على طريق الأنبياء في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه و جهل قدمه، قال له مصرحاً بالتعليم بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما يجب عليه: {ولولا إذ} أي وهلا حين {دخلت جنتك قلت} ما يدل على تفويضك الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية
{ولا تقولن لشي} [الكهف: 23] تاركاً للافتخار بها، ومستحضراً لأن الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك، فلا تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه الزوال {ما شاء الله} أي الذي له الأمر كله، كان، سواء كان حاضراً أو ماضياً أو مستقبلاً، ولذلك أعراها عن الجواب، لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى: {لا قوة} أي لأحد على بستان وغيره {إلا بالله} أي المتوحد بالكمال، فلا شريك له، وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة لله وبراءة العبد منها، والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا بتقديره، فلا يخاف من غيره، والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع من أنها مؤثرة بنفسها.
ولما قدم ما يجب عليه في نفسه منبهاً به لصاحبه، ثم ما يجب عليه من التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر كله لله، لا شيء لأحد غيره، أنتج قوله تعالى: {إن ترن} أي أيها المفتخر بما له عليّ! {أنا} ولما ذكر ضمير الفصل، ذكر مفعول (ترى) الثاني فقال: {أقل منك} وميز القليل بقوله: {مالاً وولداً} أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر الإنسان.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
... يوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم. وينذره عاقبة البطر والكبر...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف جملة {ولولا إذ دخلت} على جملة {أكفرت} عطف إنكار على إنكار. و (لولا) للتوبيخ، كشأنها إذا دخلت على الفعل الماضي، نحو {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13]، أي كان الشأن {أن تقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله} عوض قولك: {ما أظن أن تبيد هذه أبداً وما أظن الساعة قائمة} [الكهف: 36]. والمعنى: أكفرت بالله وكفرت نعمته. و (ما) من قوله: {ما شاء الله} أحسن ما قالوا فيها إنها موصولة، وهي خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه ملابسة حال دخول الجنة، أي هذه الجنة مَا شاء الله، أي الأمر الذي شاء الله إعطاءه إياي. وأحسن منه عندي: أن تكون (ما) نكرة موصوفة. والتقدير: هذه شيء شاء الله، أي لي...
فما في جملة {لا قوة إلا بالله} من العُموم جعلها كالعلة والدليلِ لكون تلك الجنة جزئياً من جزئيات منشئات القوى البشرية الموهوبة للناس بفضل الله...
جملة ابتدائية رَجع بها إلى مجاوبة صاحبه عن قوله: {أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} [الكهف: 34]، وعظه فيها بأنه لا يدري أن تصير كثرة ماله إلى قلة أو إلى اضمحلال، وأن يصير القليلُ مالُه ذا مال كثير...
والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع الدنيا شيئاً يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير الدنيا، رغم ما يتقلب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ودوام النعمة فيها أن تقول: {ما شاء الله لا قوة إلا بالله}...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} فلم تستغرق في داخل ذاتك، ولم تستسلم إلى قوتك وإلى الأسباب المحيطة بك، بل عشت مع الله في شعور عميق بالحاجة المطلقة إليه في كل تفاصيل وجودك، كما كنت محتاجاً إليه في أصل وجودك، فتعرف أن الحياة كلها خاضعة لمشيئته، وأن كل قوة مستمدة من قوته، وبذلك تنفتح على جنتك انفتاح الحذر الذي لا يعرف ماذا يحدث لها لأنه لا يعلم مشيئة الله فيها، فلا يثق بما تحمله من أحلام، لأن الغيب قد يحمل لها الكثير من الأوضاع التي قد تقلبها رأساً على عقب...
وهنا يلتفت إليه، ليدخل في عملية المقارنة التي أثارها هذا الغني المترف بين ما يملكه من مال وولد، وبين ما يملكه هذا العبد المؤمن الفقير، ليثير أمامه الفكرة الإيمانية التي توحي للمؤمن بأن يكون بما عند الله أوثق منه بما عنده، ما دامت المسألة في خط العطاء وخط المنع متصلةً بالله. {إِن تَرَنِي أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا} فليست هذه هي مشكلتي التي أعيش السقوط أمامها أو الضياع فيها، لأن هناك نافذةً واسعةً في روحي وفي عمق إحساسي بالقدرة المطلقة لله والمتصلة برحمته الشاملة، تطلّ بي على المستقبل في انفتاحه على الأمل الكبير المنطلق من الله...
قوله تعالى : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله " أي بالقلب ، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه ، إذ قال " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " [ الكهف : 35 ] و " ما " في موضع رفع ، تقديره : هذه الجنة هي ما شاء الله . وقال الزجاج والفراء : الأمر ما شاء الله ، أو هو ما شاء الله ، أي الأمر مشيئة الله تعالى . وقيل : الجواب مضمر ، أي ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون . " لا قوة إلا بالله " أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك ، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع .
الثانية : قال أشهب قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا . وقال ابن وهب وقال لي حفص بن ميسرة : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى يا رسول الله ، قال ( لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى . وفيه : فقال ( يا أبا موسى أو يا عبدالله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - ) قلت : ما هي يا رسول الله ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى ، فقال ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . وروي أنه من دخل منزل أو خرج منه فقال : باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه البركات . وقالت عائشة : إذا خرج الرجل من منزله فقال : باسم الله قال الملك : هديت ، وإذا قال : ما شاء الله قال : الملك كفيت ، وإذا قال : لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت . خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان ) هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له : ( هديت وكفيت ووقيت ) . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا : وقيت ، وإذا قال : توكلت على الله قالا : كفيت ، قال : فيلقاه قريناه فيقولان : ماذا تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي ) . وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني الجنة - يدخلني الضعفاء ) من الضعيف ؟ قال : الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة . وقال أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين ) . وقد قال قوم : ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به . وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه أمن من العين ، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان ، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم .
قوله تعالى : " إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا " " إن " شرط " ترن " مجزوم به ، والجواب " فعسى ربي " و " أنا " فاصلة لا موضع لها من الإعراب . ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء . وقرأ عيسى بن عمر " إن ترن أنا أقل منك " بالرفع ، يجعل " أنا " مبتدأ و " أقل " خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمفعول الأول النون والياء ، إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها ، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة . و " فعسى " بمعنى لعل أي فلعل ربي . " أن يؤتيني خيرا من جنتك " أي في الآخرة . وقيل في الدنيا . " ويرسل عليها " أي على جنتك . " حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا " أي مرامي من السماء ، واحدها حسبانة ، قاله الأخفش والقتبي وأبو عبيدة . وقال ابن الأعرابي : والحسبانة السحابة ، والحسبانة الوسادة ، والحسبانة الصاعقة . وقال الجوهري : والحسبان ( بالضم ) : العذاب . وقال أبو زياد الكلابي : أصاب الأرض حسبان أي جراد . والحسبان أيضا الحساب ، قال الله تعالى : " الشمس والقمر بحسبان{[10541]} " [ الرحمن : 5 ] . وقد فسر الحسبان هنا بهذا . قال الزجاج : الحسبان من الحساب ، أي يرسل عليها عذاب الحساب ، وهو حساب ما اكتسبت يداك ، فهو من باب حذف المضاف . والحسبان أيضا : سهام قصار يرمى بها في طلق واحد ، وكان من رمي الأكاسرة . والمرامي من السماء عذاب . " فتصبح صعيدا زلقا " يعني أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم ، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض ؛ و " زلقا " تأكيد لوصف الصعيد ، أي وتزل عنها الأقدام لملاستها . يقال : مكان زلق ( بالتحريك ) أي دحض ، وهو في الأصل مصدر قولك : زَلَقَتْ رجلُه تَزْلِقُ زَلَقًا ، وأزلقها غيره . والزلق أيضا عجز الدابة . قال رؤبة :
كأنها حَقْبَاءُ بلقاءُ الزَّلَقْ
والمَزْلَقَة والمُزْلَقَة : الموضع الذي لا يثبت عليه قدم . وكذلك الزَّلاَقة . والزَّلْق الحلق ، زَلَقَ رأسَه يزلقه زلقا حلقه ، قاله الجوهري . والزلق المحلوق ، كالنَّقْض والنَّقَض . وليس المراد أنها تصير مزلقة ، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حلق لا يبقى عليه شعر ، قاله القشيري .