فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا} (39)

{ ولولا إذ دخلت جنتك قلت } لولا للتحضيض أي هلا قلت عندما دخلتها { ما شاء الله } قال الفراء والزجاج : هلا قلت حين دخلتها الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان ، وقيل كائن أي أيّ شيء شاء الله كان فترد أمر جنتك من الحسن والنضارة لخالقه ولا تفتخر به لأنه ليس من صنعك .

وقوله { لا قوة إلا بالله } من جملة مقول ، أي هلا قلت هاتين الجملتين تحضيضا له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى ، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها ، وعلى الاعتراف بالعجز ، وأن ما تيسر له من عمارتها وحسنها ونضارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوته وقدرته .

وهذا نصح من المؤمن للكافر وتوبيخ له على قوله { ما أظن أن تبيد هذه أبدا } قال الزجاج : لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله ولا يكون إلا ما شاء الله .

أخرج ابن حاتم عن أسماء بنت عميس قالت : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب : الله الله ربي لا أشرك به شيئا ، وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته ، وقرأ هذه الآية {[1116]}وفي إسناده عيسى ابن عون . وروي عن أنس نحوه موقوفا .

وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش ؟ قلت نعم ، قال أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله{[1117]} .

وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله{[1118]} ، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في فضل هذه الكلمة .

ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه عن افتخاره بالمال والنفر فقال { إن ترن } الرؤية علمية أو بصريةّ { أنا أقل منك مالا وولدا } أي لأجل ذلك تكبرت وتعظّمت عليّ ويجوز في أنا وجهان أحدهما : أن يكون مؤكد الياء المتكلم ، والثاني : أنه ضمير الفصل بين المفعولين ، وأقل مفعول ثان أو حال بحسب الوجهين في الرؤية ، إلا أنك إذا جعلتها بصرية تعين في أنا أن يكون توكيدا لا فصلا ، لأن شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر ، أو ما أصله المبتدأ و الخبر .

وقرأ عيسى ابن عمر أقل بالرفع ويتعين أنا مبتدأ وأقل خبره ، والجملة إما في موضع المفعول الثاني وإما في موضع الحال على ما تقدم في الرؤية ، ومالا وولدا تمييزان وجواب الشرط قوله :


[1116]:ضعيف الجامع الصغير 528-سلسلة الأحاديث الضعيفة2012.
[1117]:الإمام أحمد 5/172بلفظ:"هل لك بكنز من كنوز الجنة؟".
[1118]:مسلم 2704-البخاري 1423.