الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فعسى ربي أن يؤتين خيرا}، يعني: أفضل، {من جنتك ويرسل عليها}، يعني: على جنتك، {حسبانا}، يعني: عذابا، {من السماء فتصبح} جنتك، {صعيدا}، يعني: مستويا ليس فيه شيء، {زلقا}، يعني: أملسا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل المؤمن الموقن للمعاد إلى الله للكافر المرتاب في قيام الساعة:"إن تَرَن" أيها الرجل "أنا أقلّ منك مالاً وولدا "في الدنيا، فعسى ربي أن يرزقني خيرا من بستانك هذا "وَيُرْسِلَ عَلَيْها" يعني على جنة الكافر التي قال لها: "ما أظنّ أن تبيد هذه أبدا" "حُسْبانا مِنَ السّماءِ" يقول: عذابا من السماء ترمى به رميا وتقذف. والحُسْبان: جمع حُسْبانة، وهي المرامي...

"فَتُصْبِحَ صَعِيدا زَلَقا" يقول عزّ ذكره: فتصبح جنتك هذه أيها الرجل أرضا ملساء لا شيء فيها، قد ذهب كلّ ما فيها من غَرْس ونبت، وعادت خرابا بلاقع، "زَلَقا": لا يثبت في أرضها قدم لاملساسها، ودروس ما كان نابتا فيها...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

فقال أهل التأويل: الحسبان العذاب. إلا أن أبا بكر الأصم قال: عذابا على حساب ما عملوا؛ وذلك جزاؤه في الكفرة، وهو ما ذكر في الجنتين اللتين أهلكهما حين قال: {ذواتي أكل} إلى قوله: {ذلك جزيناهم} الآية (سبإ: 16و17).

{فتصبح صعيدا زلقا} قال أبو عوسجة: {صعيدا زلقا} الذي ليس عليه نَبْتُ، و {زلقا} أي مستويا. وقال القتبي: الصعيد الأملس المستوي، والزَّلِقُ الذي تَزِلُّ عنه الأقدام.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ} ويسلبك لكفرك نعمته ويخرّب بستانك. والحسبان: مصدر كالغفران والبطلان، بمعنى الحساب، أي: مقداراً قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال الزجاج: عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسباناً مرامي الواحدة حسبانة وهي الصواعق. {صَعِيدًا زَلَقًا} أرضاً بيضاء يزلق عليها لملاستها زلقاً.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذا الترجي بـ «عسى» يحتمل أن يريد به في الدنيا، ويحتمل أن يريد به في الآخرة، وتمني ذلك في الآخرة أشرف مقطعاً، وأَذْهَبُ مع الخير والصلاح، وأن يكون ذلك يراد به الدنيا أذهبُ في نِكاية المخاطب، وأشد إيلاماً لنفسه.. و «الحسبان» العذاب كالبرد والصِّرِّ ونحوه...

و «الصعيد» وجه الأرض...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار، في نظير ما أبدى الكافر من التقوى والافتخار، سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء، داعياً بصورة التوقع فقال تعالى: {فعسى ربي} المحسن إليّ {أن يؤتين} من خزائن رزقه {خيراً من جنتك} فيحسن إليّ بالغنى كما أحسن إليّ بالفقر المقترن بالتوحيد، المنتج للسعادة {ويرسل عليها} أي جنتك {حسباناً} أي مرامي من الصواعق والبرد الشديد {من السماء}.

ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون، قال تعالى: {فتصبح} بعد كونها قرة للعين بما تهتز به من الأشجار والزروع {صعيداً زلقاً} أي أرضاً يزلق عليها لملاستها باستئصال نباتها، فلا ينبت فيها نبات، ولا يثبت فيها قدم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب. وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله. وأن نقمة الله جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وعسى للرجاء، فإن كان الرجاء من الله فهو واقع لاشك فيه؛ لذلك حينما تقول عند نعمة الغير:"ما شاء الله لا قوة إلا بالله" يعطيك الله خيراً مما قلت عليه: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، وإن اعترفت بنعمة الله عليك ورددت الفضل إليه سبحانه زادك، كما جاء في قوله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم}.

فقوله: {فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك}: أي: ينقل مسألة الغنى والفقر ويحولها، فأنت لا قدرة لك على حفظ هذه النعمة، كما أنك لا قدرة لك على جلبها من البداية. إذن: يمكن أن يعطيني ربي نعمة مثل نعمتك، في حين تظل نعمتك كما هي، لكن إرادة الله تعالى أن يقلب نعمتك ويزيلها: {ويرسل عليها حسبانا من السماء}: هذه النعمة التي تعتز بها وتفخر بزهرتها وتتعالى بها على خلق الله يمكن أن يرسل الله عليها حسباناً.

والحسبان: الشيء المحسوب المقدر بدقة وبحساب، كما جاء في قوله تعالى: {الشمس والقمر بحسبانٍ "40 "} (سورة الرحمن)...

وقد أرسل الله على هذه الجنة التي اغتر بها صاحبها صاعقة محسوبة مقدرة على قدر هذه الجنة لا تتعداها إلى غيرها، حتى لا يقول: إنها آية كونية عامة أصابتني كما أصابت غيري.. لا. إنها صاعقة مخصوصة محسوبة لهذه الجنة دون غيرها.

ثم يقول تعالى: {فتصبح صعيدا زلقا} (سورة الكهف): أي: أن هذه الجنة العامرة بالزروع والثمار، المليئة بالنخيل والأعناب بعد أن أصابتها الصاعقة أصبحت صعيداً أي: جدباء يعلوها التراب، ومنه قوله تعالى في التيمم: {فيتمموا صعيداً طيباً "43 "} (سورة النساء): ليس هذا وفقط، بل: {صعيدا زلقا}: أي: تراباً مبللاً تنزلق عليه الأقدام، فلا يصلح لشيء، حتى المشي عليه.

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

قوله تعالى : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله " أي بالقلب ، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه ، إذ قال " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " [ الكهف : 35 ] و " ما " في موضع رفع ، تقديره : هذه الجنة هي ما شاء الله . وقال الزجاج والفراء : الأمر ما شاء الله ، أو هو ما شاء الله ، أي الأمر مشيئة الله تعالى . وقيل : الجواب مضمر ، أي ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون . " لا قوة إلا بالله " أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك ، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع .

الثانية : قال أشهب قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا . وقال ابن وهب وقال لي حفص بن ميسرة : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى يا رسول الله ، قال ( لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى . وفيه : فقال ( يا أبا موسى أو يا عبدالله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - ) قلت : ما هي يا رسول الله ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى ، فقال ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . وروي أنه من دخل منزل أو خرج منه فقال : باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه البركات . وقالت عائشة : إذا خرج الرجل من منزله فقال : باسم الله قال الملك : هديت ، وإذا قال : ما شاء الله قال : الملك كفيت ، وإذا قال : لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت . خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان ) هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له : ( هديت وكفيت ووقيت ) . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا : وقيت ، وإذا قال : توكلت على الله قالا : كفيت ، قال : فيلقاه قريناه فيقولان : ماذا تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي ) . وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني الجنة - يدخلني الضعفاء ) من الضعيف ؟ قال : الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة . وقال أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين ) . وقد قال قوم : ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به . وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه أمن من العين ، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان ، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم .

قوله تعالى : " إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا " " إن " شرط " ترن " مجزوم به ، والجواب " فعسى ربي " و " أنا " فاصلة لا موضع لها من الإعراب . ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء . وقرأ عيسى بن عمر " إن ترن أنا أقل منك " بالرفع ، يجعل " أنا " مبتدأ و " أقل " خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمفعول الأول النون والياء ، إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها ، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة . و " فعسى " بمعنى لعل أي فلعل ربي . " أن يؤتيني خيرا من جنتك " أي في الآخرة . وقيل في الدنيا . " ويرسل عليها " أي على جنتك . " حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا " أي مرامي من السماء ، واحدها حسبانة ، قاله الأخفش والقتبي وأبو عبيدة . وقال ابن الأعرابي : والحسبانة السحابة ، والحسبانة الوسادة ، والحسبانة الصاعقة . وقال الجوهري : والحسبان ( بالضم ) : العذاب . وقال أبو زياد الكلابي : أصاب الأرض حسبان أي جراد . والحسبان أيضا الحساب ، قال الله تعالى : " الشمس والقمر بحسبان{[10541]} " [ الرحمن : 5 ] . وقد فسر الحسبان هنا بهذا . قال الزجاج : الحسبان من الحساب ، أي يرسل عليها عذاب الحساب ، وهو حساب ما اكتسبت يداك ، فهو من باب حذف المضاف . والحسبان أيضا : سهام قصار يرمى بها في طلق واحد ، وكان من رمي الأكاسرة . والمرامي من السماء عذاب . " فتصبح صعيدا زلقا " يعني أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم ، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض ؛ و " زلقا " تأكيد لوصف الصعيد ، أي وتزل عنها الأقدام لملاستها . يقال : مكان زلق ( بالتحريك ) أي دحض ، وهو في الأصل مصدر قولك : زَلَقَتْ رجلُه تَزْلِقُ زَلَقًا ، وأزلقها غيره . والزلق أيضا عجز الدابة . قال رؤبة :

كأنها حَقْبَاءُ بلقاءُ الزَّلَقْ

والمَزْلَقَة والمُزْلَقَة : الموضع الذي لا يثبت عليه قدم . وكذلك الزَّلاَقة . والزَّلْق الحلق ، زَلَقَ رأسَه يزلقه زلقا حلقه ، قاله الجوهري . والزلق المحلوق ، كالنَّقْض والنَّقَض . وليس المراد أنها تصير مزلقة ، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حلق لا يبقى عليه شعر ، قاله القشيري .


[10541]:راجع جـ 17 ص 152.