التفسير الميسر لمجموعة من العلماء - التفسير الميسر [إخفاء]  
{وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ} (68)

{ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) }

ومن نُطِلْ عمره حتى يهرم نُعِدْه إلى الحالة التي ابتدأ منها حالة ضعف العقل وضعف الجسد ، أفلا يعقلون أنَّ مَن فعل مثل هذا بهم قادر على بعثهم ؟

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ} (68)

ثم بين - سبحانه - أحوال الإِنسان عندما يتقدم به العمر فقال : { وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق أَفَلاَ يَعْقِلُونَ }

وقوله : { نُّعَمِّرْهُ } من التعمير . بمعنى إطالة العمر .

قال القرطبى : وقوله : { نُنَكِّسْهُ } قرأه عاصم وحمزة - بضم النون الأولى وتشديد الكاف - من التنكيس . وقرأه الباقون : { نَنْكُسُه } - بفتح النون الأولى وضم الكاف - من نكست الشئ أنكُسُه نَكْساً إذا قلبته على رأسه فانتكس .

قال قتادة : المعنى : أنه يصير إلى حال الهرم الذى يشبه حال الصبا . . . قال الشاعر :

من عشا أَخْلَقَت الأيام جِدَّتَه . . . وخانه ثقتاه السمع والبصر

فطول العمر يصير الشباب هَرَما ، والقوة ضعفا ، والزيادة نقصا . . وقد استعاذ النبى صلى الله عليه وسلم من أن يرد إلى أرذل العمر .

.

والمعنى : " ومن نطل عمره ننكسه فى الخلق " أى : نرده إلى أرذل العمر ، فنجعله - بقدرتنا - ضعيفا بعد أن كان قويا ، وشيخا بعد أن كان شابا فتيا ، وناقص العقل بعد أن كان مكتمله . . . { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } ذلك - أيها الناس - مع أنه من الأمور المشاهدة أمام أبصاركم ، وتعرفون أن من قدر على تحويل الإِنسان من ضعف إلى قوة ، ومن قوة إلى ضعف . . قادر - أيضاً - على إعادته إلى الحياة مرة أخرى بعد موته .

وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : { الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير } وقوله - سبحانه - { وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد هددت الكافرين بسوء المصير إذا استمروا فى كفرهم ، وبينت جانباً من فضل الله - تعالى - عليهم ، لعلهم يفيئون إلى رشدهم ، ويشكرونه على نعمه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ} (68)

قوله تعالى : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ( 68 ) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } .

{ نُنَكِّسْهُ } من التنكيس وهو القلب . أو جعل الشيء أعلاه أسفله . نكسه ، أي قلبه على رأسه . ويقرأ القرآن منكوسا : أي يبتدئ به منن آخره ويختم بالفاتحة ، أو من آخر السورة فيقرأها إلى أولها مقلوبا{[3925]}

ذلك بيان من الله عن بالغ إرادته وعظيم قدرته في الخلق ، وهو هنا تنكيس المعمَّر ، وهو قلبه وجعله على عكس ما خلقه أولا ؛ وذلك أن الله – عز وعلا – خلق الإنسان ضعيفا في الجسد خُلوا من العقل والفهم والعلم . ثم جعله يمر في أطوار وينتقل من حال إلى حال حتى يبلغ أشده ويستكمل قوته من بسطة الجسم والعقل ثم يأخذ في تنكيسه في الخلق فيأخذ في التناقص والضعف شيئا فشيئا حتى يعود إلى حال شبيهة بحاله في الصبا من حيث الضعف في الجسد وهوان العقل وبساطة الفهم .

إن ذلك كله دليل ظاهر على أن الله – جلا وعلا – هو القوي المقتدر وأنه الصانع الحكيم الذي يفعل ما يشاء . وهو قوله : { وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } أي من نطلْ عمره { نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } يعني نقلبه فلا يزاد ضعفه في تزايد ، وقواه في انتقاص حتى يُفْضي إلى الهرم الشديد ثم الموت المحتوم .

قوله : { أَفَلا يَعْقِلُونَ } أفلا يتدبرون هذه الظاهرة ليعلموا أن الله قادر على كل شيء ، وأنهم مخلوقون للحياة الآخرة وهي دار القرار والبقاء عقب رحيلهم عن هذه الدار وهي دار الزوال والفناء .


[3925]:القاموس المحيط ص 746