تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

الطاغوت : كل ما عُبد من دون الله من شيطان وكاهن وصنم ، وكل من دعا إلى ضلالة .

حقت عليه : وجبت عليه .

واجتنبوا عبادة مَن دونَه مما لا ينفع ولا يضر ، ففريقٌ استمع إلى الرسول واهتدى ، وفريق أعرضَ عن سماع الحق فحق عليه العذاب . وإذا كنتم في شكّ أيها المشركون ، فسيروا في الأرض قريبا منكم ، فانظروا ما حلّ بالمكذّبين من عاد وثمود وقوم لوط ، وكيف كانت عاقبة أمرهم لعلّكم تعتبرون بما حل بهم .

فالقرآن الكريم ينفي بهذا النصِّ ، وَهْمَ الإجبارالذي لوَّح به المشركون ، والذي يستند إليه كثير من المنحرفين . والعقيدةُ الإسلامية عقيدةٌ واضحة ، فالله يأمر عبادَه بالخير وينهاهم عن الشر ، ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا ، وعقابُ الآخرة لا شكَّ فيه ، ويثيب المؤمنين المتقين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ } من الأمم الخالية { رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله } وحده { واجتنبوا الطاغوت } هو كل ما يدعو إلى الضلالة ، وقال الحسن : هو الشيطان ، والمراد من اجتنابه اجتناب ما يدعو إليه .

{ فَمِنْهُمْ } أي من أولئك الأمم { مَّنْ هَدَى الله } إلى الحق من عبادته أو اجتناب الطاغوت بأن وقفهم لذلك { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } ثبتت ووجبت إذ لم يوفقهم ولم يرد هدايتهم ، ووجه الإشارة أن تحقق الضلال وثباته من حيث إنه وقع قسيماً للهداية التي هي بإرادته تعالى ومشيئته كان هو أيضاً كذلك .

وأما أن إرادة القبيح قبيحة فلا يجوز اتصاف الله سبحانه بها فظاهر الفساد لأن القبيح كسب القبيح والاتصاف به لا إرادته وخلقه على ما تقرر في الكلام . وأنت تعلم أن كلتا الإشارتين في غاية الخفاء ، ولينظر أي حاجة إلى الحص وما المراد به على جعل { فَهَلْ عَلَى الرسل } [ النحل : 35 ] إلى آخره مشيراً إلى جواب الشبهة الأولى .

وقال الإمام : إن المشركين أرادوا من قولهم ذلك أنه لما كان الكل من الله تعالى كان بعثه الأنبياء عليهم السلام عبثاً فنقول . هذا اعتراض على الله تعالى وجار مجرى طلب العلة في أحكامه تعالى وأفعاله وذلك باطل إذ لله سبحانه أن يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا يجوز أن يقال له لم فعلت هذا ولم لم تفعل ذاك .

والدليل على أن الإنكار إنما توجه إلى هذا المعنى أنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله سبحانه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } إلى آخره حيث بين فيه أن سنته سبحانه في عباده إرسال الرسل إليهم وأمرهم بعبادته ونهيهم عن عبادة غيره ، وأفاد أنه تعالى وإن أمر الكل ونهاهم إلا أنه جل جلاله هدى البعض وأضل البعض ، ولا شك أنه إنما يحسن منه تعالى ذلك بحكم كونه إلهاً منزهاً عن اعتراضات المعترضين ومطالبات المنازعين ، فكان إيراد هذا السؤال من هؤلاء الكفار موجباً للجهل والضلال والبعد عن الله المتعال ، فثبت أن الله تعالى أنما ذم هؤلاء القائلين لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل لا لأنهم كذبوا في قولهم ذلك ، وهذا هو الجواب الصحيح الذي يعول عليه في هذا الباب ، ومعنى { فَهَلْ عَلَى الرسل } [ النحل : 35 ] إلى آخره أنه تعالى أمر الرسل عليهم السلام بالتبليغ فهو الواجب عليهم ، وإما أن الإيمان هل يحصل أولاً يحصل فذاك لا تعلق للرسل به ولكن الله تعالى يهدي من يشاء بإحسانه ويضل من يشاء بخذلانه اه وهو كما ترى .

/ ونقل الواحدي في الوسيط عن الزجاج أنهم قالوا ذلك على الهزو ولم يرتضه كثير من المحققين ، وذكر بعضهم أن حمله على ذاك لا يلائم الجواب .

نعم قال في «الكشف » عند قوله تعالى : { وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم } [ الزخرف : 20 ] إنهم دفعوا قول الرسل عليهم السلام بدعوتهم إلى عبادته تعالى ونهيهم عن عبادة غيره سبحانه بهذه المقالة وهم ملزمون على مساق هذا القول لأنه إذا استند الكل إلى مشيئته تعالى فقد شاء إرسال الرسل وشاء دعوتهم إلى العباد وشاء جحودهم وشاء دخولهم النار ، فالإنكار والدفع بعد هذا القول دليل على أنهم قالوه لا عن اعتقاد بل مجازفة ، وقال في موضع آخر عند نظير الآية أيضاً : إنهم كاذبون في هذا القول لجزمهم حيث لا ظن مطلقاً فضلاً عن العلم ، وذلك لأن من المعلوم أن العلم بصفات الله تعالى فرع العلم بذاته والإيمان بها كذلك والمحتجون به كفرة مشركون مجسمون ، وأطال الكلام في هذا المقام في سورة الزخرف .

وذكر أن في كلامهم تعجيز الخالق بإثبات التمانع بين المشيئة وضد المأمور به فيلزم أن لا يريد إلا أمر به ولا ينهى إلا وهو لا يريده ، وهذا تعجيز من وجهين إخراج بعض المقدورات عن أن يصير محلها وتضييق محل أمره ونهيه وهذا بعينه مذهب إخوانهم القدرية اه ويجوز أن يقال : إن المشركين إنما قالوا ذلك إلزاماً بزعمهم حيث سمعوا من المرسلين وأتباعهم أن ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن وإلا فهم أجهل الخلق بربهم جل شأنه وصفاته { إِنْ هُمْ إِلاَّ كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } [ الفرقان : 44 ] ومرادهم إسكان المرسلين وقطعهم عن دعوتهم إلى ما يخالف ما هم عليه والاستراحة عن معارضتهم فكأنهم قالوا : إنكم تقولون ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن فما نحن عليه مما شاءه الله تعالى وما تدعونا إليه مما لم يشأه وإلا لكان ، واللائق بكم عدم التعرض لخلاف مشيئة الله تعالى ، فإن وظيفة الرسول الجري على إرادة المرسل لأن الإرسال إنما هو لتنفيذ تلك الإرادة وتحصيل المراد بها ، وهذا جهل منهم بحقيقة الأمر وكيفية تعلق المشيئة وفائدة البعثة ، وذلك لأن مشيئته تعالى إنما تتعلق وفق علمه وعلمه إنما يتعلق وفق ما عليه الشيء في نفسه ، فالله تعالى ما شاء شركهم مثلاً إلا بعد أن علم ذلك وما علمه إلا وفق ما هو عليه في نفس الأمر فهم مشركون في الأزل ونفس الأمر ألا أنه سبحانه حين أبرزهم على وفق ما علم فيهم لو تركهم وحالهم كان لهم الحجة عليه سبحانه إذا عذبهم يوم القيامة إذ يقولون حينئذ : ما جاءنا من نذير فأرسل جل شأنه الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فليس على الرسل إلا تبليغ الأوامر والنواهي لتقوم الحجة البالغة لله تعالى ، فالتبليغ مراد الله تعالى من الرسل عليهم السلام لإقامة حجته تعالى على خلقه به ، وليس مراده من خلقه إلا ما هم عليه في نفس الأمر خيراً كان أو شراً .

وفي الخبر يقول الله تعالى : «يا عبادى إنما أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » ولا منافاة بين الأمر بشيء وإرادة غيره منه تعالى لأن الأمر بذلك حسبما يليق بجلاله وجماله ، والإرادة حسبما يستدعيه في الآخرة الشيء في نفسه ، وقد قرر الجماعة إنفكاك الأمر عن الإرادة في الشاهد أيضاً وذكر بعض الحنابلة الانفكاك أيضاً لكن عن الإرادة التكوينية لا مطلقاً ، والبحث مفصل في موضعه ، وإذا علم ذلك فاعلم أن قوله سبحانه : { فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ } [ النحل : 35 ] يتضمن الإشارة إلى ردهم كأنه قيل : ما أشرتم إليه من أن اللائق بالرسل ترك الدعوة إلى خلاف ما شاءه الله تعالى منا والجري على وفق المشيئة والسكوت عنا باطل لأن وظيفتهم والواجب عليهم هو التبليغ وهو مراد الله تعالى منهم لتقوم به حجة الله تعالى عليكم لا السكوت وترك الدعوة ، وفي قوله سبحانه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } الخ إشارة يتفطن لها من له قلب إلى أن المشيئة حسب الاستعداد الذي عليه الشخص في نفس الأمر فتأمل فإن هذا الوجه لا يخلو عن بعد ودغدغة . والذي ذكره القاضي في قوله تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا } الخ أنه بين فيه أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سبباً لهدي من أراد سبحانه اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله كالغذاء الصالح ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه .

وفي إرشاد العقل السليم أنه تحقيق لكيفية تعلق مشيئته تعالى بأفعال العباد بعد بيان أن الإلجاء ليس من وظائف الرسالة ولا من باب المشيئة المتعلقة بما يدور عليه فلك الثواب والعقاب من الأفعال الاختيارية ، والمعنى إنا بعثنا في كل أمة رسولاً يأمرهم بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت فأمروهم فتفرقوا فمنهم من هداه الله تعالى بعد صرف قدرته واختياره الجزئي إلى تحصيل ما هدى إليه ومنهم من ثبت على الضلالة لعناده وعدم صرف قدرته إلى تحصيل الحق ، والفاء في { فَمِنْهُمْ } نصيحة كما أشار إليه ، وكان الظاهر في القسم الثاني ومنهم من أضل الله إلا أنه غير الأسلوب إلى ما في النظم الكريم للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارهم كقوله تعالى : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [ الشعراء : 80 ] و { ءانٍ } يحتمل أن تكون مفسرة لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدرية بتقدير حرف الجر أي بأن اعبدوا الله { فَسِيرُواْ } أيها المشركون المكذبون القائلون : لو شاء الله ما عبدنا من دونه { فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } من عاد وثمود ومن سار سيرهم ممن حقت عليه الضلالة وقال كما قلتم لعلكم تعتبرون ، وترتيب الأمر بالسير على مجرد الإخبار بثبوت الضلالة عليهم من غير إخبار بحلول العذاب للإيذان بأن ذلك غني عن البيان ، وفي عطف الأمر الثاني بالفاء إشعار بوجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال المنقذين من الضلال .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (36)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله}، يعني: أن وحدوا الله، {واجتنبوا الطاغوت}، يعني: عبادة الأوثان، {فمنهم من هدى الله} إلى دينه، {ومنهم من حقت عليه}، يعني: وجبت {الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}، رسلهم بالعذاب الذين حقت عليهم الضلالة في الدنيا، يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية، ليحذروا عقوبته، ولا يكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولاً كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخلصوا له العبادة،

"وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ" يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ويصدّكم عن سبيل الله فتضلوا.

"فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ" يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفّقه لتصديق رسله والقبول منها والإيمان بالله والعمل بطاعته، ففاز وأفلح ونجا من عذاب الله.

"وَمِنْهُمْ مَنْ حَقّتْ عَلَيْهِ الضّلالَةُ" يقول: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه وأنزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين.

"فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذّبِينَ" يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها والبلاد التي كانوا يعمرونها فانظروا إلى آثار الله فيهم وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقيقة ذلك وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} يخبر رسوله أنك لست بأول مبعوث إلى أمتك، ولكن قد بعث إلى كل أمة رسولا، وهو كقوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} (فاطر: 24) يصبره على ما يصيبه منهم من المكروه والأذى، أي لست أنت بأول من يصيبه ذلك، بل كان رسل قبلك أصابهم من أمتهم ما يصيبك من أمتك. وقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله} هو على الإضمار، كأنه قال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} وقلنا لهم: قولوا: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} على ذلك كان بعث الرسل جميعا إلى قومهم بالدعاء إلى توحيد الله وجعل العبادة له والنهي عن عبادة الأوثان دونه كقوله: {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} (الأعراف: 59) ويكون قوله: {واجتنبوا الطاغوت} كقوله {ما لكم من إله غيره} واحدا. والطاغوت: قال بعضهم: كل من عبد دون الله فهو طاغوت. وقال الحسن: هو الشيطان؛ أضيفت العبادة إليه بقوله: {يا أبت لا تعبد الشيطان} (مريم: 44) لأن من يعبد دونه يعبد بأمره، فأضيفت لذلك إليه، وقد ذكرنا هذا أيضا في ما تقدم.

{فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} هذا يدل على أنه لم يرد بالهدى البيان على ما قال بعض الناس إذ قد سبق منه البيان لكل أحد، وما ذكر أيضا: {ومنهم من حقت عليه الضلالة}... الهدى منه في هذا الموضع، ليس هو البيان، هو ما يكرم به عبده ويوفقه لديه. وقوله: {فمنهم من هدى الله} لاختياره الهدى {ومنهم من حقت عليه الضلالة} أي لزمته الضلالة لاختياره إياها.

{فسيروا في الأرض} قال الحسن: قوله: {فسيروا} ليس على الأمر، ولكن كأنه قال: لو سرتم في الأرض لرأيتم {كيف كان عاقبة المكذبين} بالتكذيب. وقال بعضهم: {فسيروا} كأنه على الحجاج عليهم: إن سرتم في الأرض فإنكم ترون آثار من كان قبلكم، ويشبه أن يكون ليس على السير نفسه، ولكن على التأويل والنظر في آثار أولئك وأمورهم أنه بم نزل بهم ما نزل؟ والله أعلم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

...ثم أخبر عن المبعوث إليهم بأن منهم من لطف الله لهم بما علم أنه يؤمن عنده، فآمن عنده، فسمى ذلك اللطف هداية، ولم يرد نصب الأدلة على الحق لأنه تعالى سوى في ذلك بين المؤمن والكافر، كما قال "فأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى"، ويحتمل أن يكون المراد فمنهم من هداه الله إلى الجنة بإيمانه. وقوله: "ومنهم من حقت عليه الضلالة "قيل فيه قولان:

أحدهما: لأنهم ضلوا عن طريق الحق وكفروا بالله، وهو قول الحسن.

الثاني: حقت عليهم الضلالة عن طريق الجنة بما ارتكبوه من الكفر.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لم يُخْلِ زماناً من الشرع توضيحاً لحجته، ولكن فرَّقهم في سابِق حُكْمِه؛ ففريقاً هداهم، وفريقاً حَجَبَهم وأعماهم.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

ولقد أمدّ إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم رسولاً يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت؛ {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله} أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف، {وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة} أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير.

{فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا} ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدّر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل بالأشرار.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ولقد} أي والله لقد {بعثنا} أي على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ {في كل أمة} من الأمم الذين قبلكم {رسولا} فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة، ولأجل أن الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر من وصل إليه حكمه من أهل الأرض لم يقيد ب "منهم". ولما كان البعث متضمناً معنى القول، كان المعنى: فذهبوا إليهم قائلين: {أن اعبدوا الله} أي الملك الأعلى وحده {واجتنبوا} أي بكل جهدكم {الطاغوت} كما أمركم رسولنا...

ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال: {فسيروا} أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من إخبار الرسل فسيروا {في الأرض} أي جنسها {فانظروا} أي إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع عنه...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} تحقيقٌ لكيفية تعلقِ مشيئتِه تعالى بأفعال العبادِ بعد بيانِ أن الإلجاءَ ليس من وظائف الرسالةِ ولا من باب المشيئةِ المتعلقةِ بما يدور عليه الثوابُ والعقاب من الأفعال الاختياريةِ لهم، أي بعثنا في كل أمة من الأمم الخالية رسولاً خاصاً بهم {أَنِ اعبدوا الله} يجوز أن تكون (أن) مفسرةً لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدريةً، أي بعثنا بأن اعبدوا الله وحده {واجتنبوا الطاغوت}...

{فَمِنْهُمْ} أي من تلك الأمم، والفاء فصيحة، أي فبلَّغوا ما بُعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتنابِ الطاغوت فتفرقوا فمنهم...

{وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة}... وتغيير الأسلوبِ للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارِهم كقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} فلم يكن كلٌّ من مشيئة الهدايةِ وعدمِها إلا حسبما حصل منهم من التوجهُ إلى الحق وعدمِه، لا بطريق القسرِ والإلجاءِ حتى يُستدلَ بعدمهما على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بعبادتهم له تعالى وحده..

{كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين}... وترتيبُ الأمرِ بالسير على مجرد الإخبارِ بثبوت الضلالةِ عليهم من غير إخبارٍ بحلول العذابِ للإيذان بأنه غنيٌّ عن البيان وأنْ ليس الخبرُ كالعِيان، وترتيبُ النظر على السير لما أنه بعده وأن مَلاك الأمر في تلك العاقبة هو التكذيبُ والتعلّلُ بأنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 35]

قال الله تعالى رادا عليهم شبههم: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم. بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهى، وبعث في كل أمة، أي في كل قرن وطائفة من الناس، رسولا. وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وهو ما يعبد من دونه سبحانه. فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم، من عهد نوح أول رسول إلى أهل الأرض، إلى زمن خاتم النبيين صلوات الله عليه وعليهم. ودعوة الكل واحدة كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وكما أخبر هنا في هذه الآية. فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء}؟ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية، لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله. وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها، أي لأنها من سر القدر الذي حظر الخوض فيه...

ونسوق هنا أيضا ما قرأته للإمام ابن تيمية، عليه الرحمة، في أول الجزء الثاني من (منهاج السنة) مما يتعلق بالآية، وإن يكن سبق لنا نقل عنه أيضا. فإن الآية من معارك الأفهام. فلا علينا أن نجلو عن الشبه فيها صدأ الأوهام. قال عليه الرحمة: هذا مقام يكثر خوض النفوس فيه. فإن كثيرا من الناس، إذا أمر بما يجب عليه تعلل بالقدر وقال: حتى يقدر الله ذلك، أو يقدرني الله على ذلك، أو حتى يقضي الله ذلك. وكذلك إذا نهي عن فعل ما حرم الله قال: الله قضاه علي بذلك، ونحو هذا الكلام. والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة. باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين. والمحتج به لا يقبل من غيره مثل هذه الحجة، إذا احتج بها في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من حقوقه. بل يطلب منه ماله عليه، ويعاقبه على عدوانه عليه. وإنما هو من جنس شبه السوفسطائية التي تعرض في العلوم. فكأنك تعلم فسادها بالضرورة. وإن كانت تعرض كثيرا للكثير من الناس. حتى قد يشك في وجود نفسه، وغير ذلك من المعارض الضرورية. فكذلك هذا يعرض في الأعمال حتى يظن أنها شبهة في إسقاط الصدق والعدل الواجب، وغير ذلك. وإباحة الكذب والظلم وغير ذلك. ولكن تعلم القلوب بالضرورة أن هذه شبهة باطلة. ولهذا لا يقبله أحد عند التحقيق ولا يحتج بها أحد إلا مع عدم علمه بالحجة بما فعله. فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة، وهو المأمور وهو الذي ينبغي فعله، ولم يحتج بالقدر. وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله، أو ليس بمصلحة أو ليس هو مأمورا به لم يحتج بالقدر. بل إذا كان متبعا لهواه بغير علم، احتج بالقدر. ولهذا لما قال المشركون: {لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} قال الله تعالى: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون}، {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} فإن هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة داحضة وباطلة. فإن أحدهم لو ظلم الآخر أو حرج في ماله أو فرج امرأته أو قتل ولده أو كان مصرا على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال: لو شاء الله لم أفعل هذا -لم يقبلوا منه هذه الحجة. ولا هو يقبلها من غيره. وإنما يحتج بها المحتج دفعا للّوم بلا وجه. فقال الله تعالى: {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} بأن هذا الشرك والتحريم من أمر الله، وأنه مصلحة ينبغي فعله: {إن تتبعون إلا الظن} فإنه لا علم عندكم بذلك، إن تظنون ذلك إلا ظنا {وإن أنتم إلا تخرصون} وتفترون. فعمدتكم في نفس الأمر ظنكم وخرصكم. ليس عمدتكم في نفس الأمر كون الله شاء ذلك وقدره. فإن مجرد المشيئة والقدرة لا تكون عمدة لأحد في الفعل.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

...وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيهاً للمشركين على إزالة شبهتهم في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} [سورة النحل: 35] بأن الله بيّن لهم الهُدى، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه، فهو الهادي لهم. والتّعبير في جانب الضلالة بلفظ حقّت عليهم دون إسناد الإضلال إلى الله إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء لضلالتهم السابقة فحقّت عليهم الضلالة، أي ثبتت ولم ترتفع.

وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم؛ ولكن ورد في آيات أخرى أن الله يضلّ الضالّين، كما في قوله: {ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً} [سورة الأنعام: 125]، وقوله عقب هذا {فإن الله لا يهدي من يضلّ} [سورة النحل: 37] على قراءة الجمهور، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله كَوّنَ أسباباً عديدة بعضها جاءٍ من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض، وبعضها تابع للدعوات الضالّة بحيث تهيّأت من اجتماع أمور شتّى لا يحصيها إلا الله، أسباب تامّة تحول بين الضالّ وبين الهدى. فلا جرم كانت تلك الأسباب هي سبب حقّ الضلالة عليهم، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات أنفسهم، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور. فافْهَم.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{واجتنبوا الطاغوت}، أي ابعدوا عن أنفسكم الطاغوت، أي جانبوه، والطاغوت فعلوت من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، ويشمل مجاوزة الحد في العقول فيعبد مالا ينفع ولا يضر، ويشرك مع الله غيره وتتحكم فيه الأوهام، فيرى الباطل حقا والحق باطلا، ويشمل ظلم العباد، والطغيان عليهم، ويشمل الطغيان في المعاملات والظلم، وغير ذلك. فالدعوة أي الوحدانية واجتناب الطاغوت جامعة لكل معاني الرسالة من عقيدة، وتعامل الناس بعضها مع بعض، هذه رسالة رسل الله في الأرض، اعتقاد سليم، وتعاون وعمل عادل مستقيم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

... وهذا هو المنهج الذي أراد الله أن يحكم الحياة في حركة الناس، فهو يرسل إلى الناس الرسول، ليبلغهم رسالاته، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، في ما أعدّه لهم من عقل قادر على التخطيط والوصول إلى النتائج الكبيرة، وما منحهم من إرادة وقدرة على الاختيار. ولا تختلف الرسالات ولا الرسل، في الخط العام الذي يحكم دعوتهم، فهناك خطٌّ إيجابيٌّ يتعلق بالموقف من الله، وهو أن يعبدوا الله وحده، بكل ما تعنيه العبادة من التزام بإرادة الله وأوامره ونواهيه، في كل شيء، مهما كان صغيراً. وهناك خط سلبي يتعلق بالموقف من الناس، وهو أن يجتنبوا الطاغوت، بكل ما توحي به الكلمة من نهج الطغيان في الحكم والشريعة والمنهج والموقف والشخص، الذي لا يلتقي بالله من قريبٍ أو من بعيد. وبهذا يكون كل ما عدا الله طاغوتاً، بينما يكون الالتزام بالنهج الذي حدده الوحي، عبادةً لله وخضوعاً له...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... فأساس دعوة جميع الأنبياء واللبنة الأُولى لتحركهم هي الدعوة إلى التوحيد ومحاربة الطاغوت، وذلك لأنّ أُسس التوحيد إِذا لم تحكم ولم يطرد الطواغيت من بين المجتمعات البشرية فلا يمكن إجراء أيُّ برنامج إصلاحي.