{ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاخرين } أي اجعل لنفعي ذكراً صادقاً في جميع الأمم إلى يوم القيامة . وحاصله خلد صيتي وذكري الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للآثار الحسنة والسنن المرضية لديه تعالى المستحسنة التي يقتدي بها الآخرون ويذكرونه بسببها بالخير وهم صادقون . فاللسان مجاز عن الذكر بعلاقة السببية واللام للنفع ومنه يستفاد الوصف بالجميل ، وتعريف { الاخرين } للاستغراق والكلام مستلزم لطلب التوفيق للآثار الحسنة التي أشرنا إليها وكأنه المقصود بالطلب على أبلغ وجه ولا بأس بأن يريد تخليد ذكره بالجميل ومدحه بما كان عليه عليه السلام في زمانه ولكون الثناء الحسن مما يدل على محبة الله تعالى ورضائه كما ورد في الحديث يحسن طلبه من الأكابر من هذه الجهة والقصد كل القصد هو الرضا .
ويحتمل أن يراد بالآخرين آخر أمة يبعث فيها نبي وأنه عليه السلام طلب الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم ببعثة نبي فيهم يجدد أصل دينه ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد معلماً لهم أن ذلك ملة إبراهيم عليه السلام فكأنه طلب بعثة نبي كذلك في آخر الزمان لا تنسخ شريعته إلى يوم القيامة وليس ذلك إلا نبياً محمد صلى الله عليه وسلم وقد طلب بعثته عليهما الصلاة والسلام بما هو أصرح مما ذكر أعني قوله : { وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك } [ البقرة : 129 ] الخ ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " أنا دعوة إبراهيم عليه السلام "
وقيل إذا أريد ذلك فلا بد من تقدير مضاف في كلامه عليه السلام أي اجعل لي صاحب لسان صدق في الآخرين أو جعل اللسان مجازاً عن الداعي بإطلاق الجزء على الكل لأن الدعوة باللسان فكأنه قال : اجعل لي داعياً إلى الحق صادقاً في الآخرين ، ولا يخفى أن فيما ذكرناه غني عن ذلك كله . وفي تعليقات شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طاب ثراه على تفسير البيضاوي في هذه الآية كلام ناشئ من قلة إمعان النظر فلا تغتر به .
واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ، وفائدة ذلك بعد الموت على ما قال بعض الأجلة انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله تعالى زلفى وأنه قد يصير سبباً لاكتساب المثنى أو غير نحو ما أثنى به فيثاب فيشاركه فيه المثنى عليه كما هو مقتضى «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » ولا يخفى عليك أن الأمور بمقاصدها .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
يعنى ثناء حسنا يقال من بعدي في الناس، فأعطاه الله عز وجل ذلك، فكل أهل دين يقولون: إبراهيم، عليه السلام، ويثنون عليه.
- ابن العربي: قال أشهب سألنا مالكا عن قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} قال: لا بأس أن يحب الرجل الثناء الحسن إذا خلصت فيه النية.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"وَاجْعَلْ لي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ" يقول: واجعل لي في الناس ذكرا جميلاً، وثناء حسنا، باقيا فيمن يجيء من القرون بعدي.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي اجعل لي الثناء الحسن في الناس. وكذلك كان إبراهيم، صلوات الله عليه، وكان جميع أهل الأديان على اختلافهم قد انقادوا له، وانتسبوا إليه، وادعوا أنهم على دينه، وأن دينه الذي هو عليه ليس من أهل ملة إلا وهم يتولونه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
و» لسان الصدق «في الآخرين هو الثناء وخلد المكانة بإجماع من المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، فكل ملة تتمسك به وتعظمه هو على الحنيفية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، قال مكي: وقيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق فأجيبت الدعوة في محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ.
جهود القرافي في التفسير 684 هـ :
قال العلماء: معناه: ثناء جميل حتى يقتدي بي الناس. (الذخيرة: 7/22).
- واعلم أنه ليس في الرياء قصد اشتهار النفس بالعلم لطلب الاقتداء، بل هو من أعظم القربات، فإنه سعي في تكثير الطاعات، وتقليل المخالفات. وكذلك قال إبراهيم عليه السلام: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}. قال العلماء: يقتدى بي من بعدي. ولهذا المعنى أشار عليه السلام بقوله:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به" حضا على نشر العلم ليبقى بعد الإنسان لتكثير النفع. ومنه قوله تعالى: {ورفعنا لك ذكرك} على أحد الأقوال. (الإحكام في تمييز الفتاوى...: 253).
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر، قال: {واجعل لي لسان صدق} أي ذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً، وثناء حسناً، بما أظهرت مني من خصال الخير {في الآخرين} أي الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماماً، فيكون لي مثل أجورهم، فإن "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة "وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله: "صل على محمد كما صليت على إبراهيم" إلى آخره.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(واجعل لي لسان صدق في الآخرين).. دعوة تدفعه إليها الرغبة في الامتداد، لا بالنسب ولكن بالعقيدة؛ فهو يطلب إلى ربه أن يجعل له فيمن يأتون أخيرا لسان صدق يدعوهم إلى الحق، ويردهم إلى الحنيفية السمحاء دين إبراهيم. ولعلها هي دعوته في موضع آخر. إذ يرفع قواعد البيت الحرام هو وابنه إسماعيل ثم يقول: ربنا واجعلنا مسلمين لك. ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم.. وقد استجاب الله له، وحقق دعوته، وجعل له لسان صدق في الآخرين، وبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. وكانت الاستجابة بعد آلاف من السنين. هي في عرف الناس أمد طويل، وهي عند الله أجل معلوم، تقتضي حكمته أن تتحقق الدعوة المستجابة فيه.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
والدعوة الثانية هي دعوة بالعاقبة، وهي قوله ضارعا إلى ربه: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} الآخرين أي الذين يجيئون بعده، و {لسان صدق} فيه إضافة اللسان للصدق أي بأنه يكون الصدق مستغرقا له، بحيث لا يقال عنه إلا ما هو صدق، وأن يكون اللسان صادقا دائما، وأن يمتد الصدق منه وفيه إلى ما بعده، وإن لسان الصدق يكون بعده يكون بأمور، منها أن يكون ذكره حسنا صادقا من بعده، بأن يكون أثرا محمودا من بعده، ويكون نافعا بعد مماته كما كان نافعا في حياته، ومنها أن تكون دعوته إلى الحق باقية من بعده يرددها الناس، ويدعون إليها، ومنها أن تكون له محبة ومودة بين الناس من بعده، كما كانوا يودونه في حياته، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)} [مريم]. هذا، وإن النص الكريم يدل على أن حب المحمدة بين الناس ليس أمرا غير صالح ما دام يقصد إليها النفع والخير، وعموم الإصلاح وما دام لا يتعالى ولا يستطيل على الناس.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} ليتحدث الناس عني من موقع الصدق الذي أجسّده في حياتي رسالةً ودعوةً وسلوكاً عملياً في خدمة الناس وإصلاح أمرهم وتوجيه حياتهم إلى ما فيه رضاك في الدنيا والآخرة، فأكون الإنسان الذي لا تتجمد شخصيته في حياته الخاصة، بل تكون ممتدةً في حياة الناس الآخرين من بعده، لتكون النور الذي يضيء عقولهم بما أعطاهم من معرفة شاملةٍ واسعةٍ. وقد نستوحي من هذه الآية أن الأنبياء والصالحين لا يطلبون الذكر الممتد من موقع الحالة الذاتية، حيث تتطلب النفس زهو الذات الطامحة للخلود، بل يطلبون الذكر الخالد في خط الصدق الذي يلتزمونه في حياتهم ويدعون إليه في رسالاتهم. فلا تكون القضية قضية ذاتٍ تبحث عن اسمٍ خالد، بل قضية رسالةٍ تبحث عن امتداد في ضمير الإنسان المستقبلي وحياته، وبذلك تكون صفة الرسالة في حركة الذات هي المطلوبة لديه، وهذا هو الذي يمثل خلود الأنبياء بخلود رسالاتهم..
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
أيْ اجعلني بحال تذكرني الأجيال الآتية بخير، واجعل منهجي مستمراً بينهم فيتخذوني أُسوةً وقدوة لهم فيتحركون ويسيرون في منهاجك المستقيم وسبيلك القويم.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.