تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ} (89)

إلا من جاء الله بقلبٍ سليم من كل كفر ورياءٍ ونفاق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ} (89)

وقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } استثناء من أعم المفاعيل ، و { مِنْ } محل نصب أي يوم لا ينفع مال وإن كان مصروفاً في الدنيا إلى وجوه البر والخيرات ولا بنون وإن كانوا صلحاء مستأهلين للشفاعة أحداً إلا من أتى بقلب سليم عن مرض الكفر والنفاق ضرورة اشتراط نفع كل منهما بالإيمان ، وفي هذا تأييد لكون استغفاره عليه السلام لأبيه طلباً لهدايته إلى الإيمان لاستحالة طلب مغفرته بعد موته كافراً مع علمه عليه السلام بعدم نفعه لأنه من باب الشفاعة ، وقيل : هو استثناء من فاعل { ينفَعُ } ومن في محل رفع بدل منه والكلام على تقدير مضاف إلى من أي لا ينفع مال ولا بنون الأمال وبنو من أتى الله بقلب سليم حيث أنفق ماله في سبيل البر وأرشد بنيه إلى الحق وحثهم على الخير وقصد بهم أن يكونوا عباداً لله تعالى مطيعين شفعاء له يوم القيامة ، وقيل : هو استثناء مما دل عليه المال والبنون دلالة الخاص على العام أعني مطلق الغني والكلام بتقدير مضاف أيضاً كأنه قيل : يوم لا ينفع غني إلا غني من أتى الله بقلب سليم وغناه سلامة قلبه وهو من الغنى الديني وقد أشير إليه في بعض الأخبار .

أخرج أحمد . والترمذي . وابن ماجه عن ثوبان قال : لما نزلت { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } [ التوبة : 34 ] الآية قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو علمنا أي المال خير اتخذناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة صالحة تعين المؤمن على إيمانه " وقيل : هو استثناء منقطع من { مَّالِ } [ الشعراء : 88 ] والكلام أيضاً على تقدير مضاف أي لا ينفع مال ولا بنون إلا حال من أتى الله بقلب سليم ، والمراد بحاله سلامة قلبه ، قال الزمخشري : ولا بد من تقدير المضاف ولو لم يقدر لم يحصل للاستثناء معنى ، ومنع ذلك أبو حيان بأنه لو قدر مثلاً لكن من أتى الله بقلب سليم يسلم أو ينتفع يستقيم المعنى . وأجاب عنه في «الكشف » بأن المراد أنه على طريق الاستثناء من مال لا يتحصل المعنى بدون تقدير المضاف ، وما ذكره المانع استدراك من مجموع الجملة إلى جملة أخرى وليس من المبحث في شيء ، ولما لم يكن هذا مناسباً للمقام جعله الزمخشري مفروغاً عنه فلم يلم عليه بوجه ، وقد جوز اتصال الاستثناء بتقدير الحال على جعل الكلام من باب :

تحية بينهم ضرب وجيع *** ومثاله أن يقال : هل لزيد مال وبنون فتقول ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب بدلاً عن ذلك ، هذا وكون المراد من القلب السليم القلب السليم عن مرض الكفر والنفاق هو المأثور عن ابن عباس .

ومجاهد . وقتادة . وابن سيرين . وغيرهم ، وقال الإمام : هو الخالي عن العقائد الفاسدة والميل إلى شهوات الدنيا ولذاتها ويتبع ذلك الأعمال الصالحات إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها في الجوارح .

وقال سفيان : هو الذي ليس فيه غير الله عز وجل ، وقال الجنيد قدس سره : هو اللديغ من خشية الله تعالى القلق المنزعج من مخافة القطيعة وشاع إطلاق السليم في لسان العرب على اللديغ ، وقيل : هو الذي سلم من الشرك والمعاصي وسلم نفسه لحكم الله تعالى وسالم أولياءه وحارب أعداءه وأسلم حيث نظر فعرف واستسلم وانقاد لله تعالى وأذعن لعبادته سبحانه ، والأنسب بالمقام المعنى المأثور وما ذكر من تأويلات الصوفية ، وقال في «الكشاف » فيما نقل عن الجنيد قدس سره وما بعده : إنه من بدع التفاسير وصدقه أبو حيان بذلك في شأن الأول .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ} (89)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{إلا من أتى الله} في الآخرة {بقلب سليم} من الشرك، مخلصا لله عز وجل بالتوحيد، فينفعه يوم البعث ماله وولده.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْب سَلِيمٍ" يقول: ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع إلا القلب السليم.

والذي عني به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب من الشكّ في توحيد الله، والبعث بعد الممات... عن مجاهد، قوله "إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْب سَلِيمٍ"، قال: ليس فيه شكّ في الحقّ...

عن قتادة، في قوله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال: سليم من الشرك...

عن الضحاك، في قول الله "إلاّ مَنْ أَتى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ "قال: هو الخالص.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

قيل: إنما سأل سلامة القلب لأنه إذا سَلِمَ القلبُ سَلِمَ سائر الجوارح من الفساد، إذ الفساد بالجوارح لا يكون إلا عن قصد فاسد بالقلب، فإن اجتمع مع ذاك جهل فقد عُدِمَ السلامة من وجهين. ورَوَى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إِنّي لأَعْلَمُ مُضْغَةً إِذا صَلُحَتْ صَلُحَ البَدَنُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ".

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{إِلاَّ مَنْ أَتَى الله} إلا حال من أتى الله {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}... وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك. وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في معنى الغنى، كأنه قيل: يوم لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم؛ لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. ولك أن تجعل الاستثناء منقطعاً. ولا بدّ لك مع ذلك من تقدير المضاف وهو الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب. ولو لم يقدر المضاف، لم يتحصل للاستثناء معنى. وقد جعل {مَن} مفعولاً لينفع، أي: لا ينفع مال ولا بنون، إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على هذا {إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} من فتنة المال والبنين.

ومعنى سلامة القلب: سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم الله تعالى به خليله ونبه على جلالة محله في الإخلاص: أن حكى استثناءه هذا حكاية راض بإصابته فيه. ثم جعله صفة له في قوله: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبراهيم إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 84]...

وما أحسن ما رتب إبراهيم عليه السلام كلامه مع المشركين، حين سألهم أوّلاً عما يعبدون سؤال مقرّر لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع على تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون شبهة فضلاً أن يكون حجة، ثم صوّر المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدّد نعمته، من لدن خلقه وإنشائه إلى حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذٍ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{إلا من أتى الله} أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن {بقلب سليم} أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن {المال والبنون} ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ،.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 88]

كما نستشف من قوله: (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم. وإدراكه كذلك لحقيقة القيم. فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص. إخلاص القلب كله لله، وتجرده من كل شائبة، ومن كل مرض، ومن كل غرض. وصفائه من الشهوات والانحرافات. وخلوه من التعلق بغير الله. فهذه سلامته التي تجعل له قيمة ووزنا (يوم لا ينفع مال ولا بنون)؛ ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة، التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض؛ وهي لا تزن شيئا في الميزان الأخير!.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

يظهر على هذا الوجه أن يكون المراد ب {من أتى الله بقلب سليم} الإشارةُ إلى إبراهيم عليه السلام لأن الله تعالى وصفه بمثل هذا في آية سورة الصافات (83، 84) في قوله: {وإن من شِيعَتِه} (أي شيعة نوح) لإبراهيمَ إذ جاء ربَّه بقلب سليم.

وفيه أيضاً تذكير قومه بأن أصنامهم لا تغني عنهم شيئاً، ونفي نفع المال صادق بنفي وجود المال يومئذ...

والاقتصار على المال والبنين في نفي النافعين جرى على غالب أحوال القبائل في دفاع أحد عن نفسه بأن يدافع إما بفدية وإما بنجدة، وهي النصر، فالمال وسيلة الفدية، والبنون أحق من ينصرون أباهم، ويعتبر ذلك النصر عندهم عهداً يجب الوفاء به...

واقتضى ذلك أن انتفاء نفع ما عدا المال والبنين من وسائل الدفاع حاصل بالأوْلى بحكم دلالة الاقتضاء المستندة إلى العُرف. فالكلام من قبيل الاكتفاء، كأنه قيل: يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شيء آخر. وقوله: {إلا من أتى الله بقلب سليم} استثناء من مفعول {ينفع}، أي إلاّ منفوعاً أتى الله بقلب سليم.

هذا معنى الآية وهو مفهوم للسامعين فلذلك لم يؤثَر عن أحد من سلف المفسرين عدّ هذه الآية من متشابه المعنى وإنما أعضل على خلفهم طريق استخلاص هذا المعنى المجمل من تفاصيل أجزاء تركيب الكلام...

وذكر صاحب « الكشاف» احتمالات لا يسلم شيء منها من تقدير حذف،

فالخلاصة أن الذي يأتي الله يومئذ بقلب سليم هو منفوع بدلالة الاستثناء وهو نافع (أي نافع نفسه) بدلالة المجرور المتعلِّق بفعل {أتى}، فإن القلب السليم قلبُ ذلك الشخص المنفوع فصار ذلك الشخص نافعاً ومنفوعاً باختلاف الاعتبار... فجُعل القلب السليم سبباً يحصل به النفع، ولهذا فالاستثناء متصل مفرَّغ عن المفعول. وقد حصل من نسج الكلام على هذا المنوال إيجازٌ مغننٍ أضعاف من الجمل المطوية. وجَعْلُ الاستثناء منقطعاً لا يدفع الإشكال.

والقلب: الإدراك الباطني.

والسليم: الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي. وضدُّه المريض مرضاً مجازياً قال تعالى: {في قلوبهم مَرض} [البقرة: 10]. والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم.