{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } أي تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً ، فما موصولة وجوز أن تكون مصدرية ، وهو خلاف الظاهر .
والنسيان مجاز عن الترك ، واستظهر أنه استعارة حيث شبه الترك بالنسيان بجامع عدم المبالاة ، وجوز أن يكون مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية ، ولم يحمل على ظاهره كما قال بعضهم المحققين لأنه غير واقع ولأنه لا يؤاخذ بالنسيان ولأن الترك عن عمد هو الذي يترتب عليه انجاء الناهين في قوله سبحانه وتعالى :
{ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء } إذ لم يمتثلوا أمرهم بخلاف ما لو نسوه فإنه كان يلزمهم تذكيرهم وظاهر الآية ترتب الانجاء على النسيان وهو في الحقيقة مرتب على النسيان والتذكير ، وما في حيز الشرط مشير إليهما فكأنه قيل : فلما ذكر المذكرون ولم يتذكر المعتدون وأعرضوا عما ذكروا به أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين ، وعنوان النهي عن السوء شامل للذين قالوا { لم تعظون } [ الأعراف : 164 ] الخ وللمقول لهم ذلك ، أما شموله للمقول لهم فواضح وأما شموله للقائلين فلأنهم نهوا أيضاً إلا أنهم رأوا عدم النفع فكفوا وذلك لا يضرهم فقد نصوا على أنه إذا علم الناهي حال المنهى وأن النهي لا يؤثر فيه سقط عنه النهي وربما وجب الترك على ما قال الزمخشري لدخوله في باب العبث ، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على الطريق لأخذ أموال الفقراء وغيرهم بغير حق لتعظهم وتكفهم عما هم عليه كان ذلك عبثاً منك ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك ، ولم يعرض أولئك كما أعرض هؤلاء لعدم بلوغهم في اليأس كما بلغ إخوانهم أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم } [ الكهف : 6 ] .
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة وعنى بهم القائلين ومنشأ قوله هذا كما نطقت به بعض الروايات أنه سمع قوله سبحانه : { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء } وقوله جل وعلا : { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } أي بالاعتداء ومخالفة الأمر ولم يغص رضي الله تعالى عنه مع أنه الغواص فقال له عكرمة : جعلني الله فداك ألا تراهم كيف أنكروا وكرهوا ما القوم عليه وقالوا ما قالوا وإن لم يقل الله سبحانه أنجيتهم لم يقل أهلكتهم فأعجبه قوله وأمر له ببردين وقال : نجت الساكتة ، ونسب الطبرسي إليه رضي الله تعالى عنه قولين آخرين في الساكتة أحدهما القول بالتوقف وثانيهما القول بالهلاك وبه قال ابن زيد ، وروي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه فالمأخوذ حينئذ الساكتون والظالمون { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي شديد وفسره الحبر بما لا رحمة فيه ويرجع إلى ما ذكر ، وهو فعيل إما وصف أو مصدر كالنكير وصف به مبالغة ، والأكثرون على كونه وصفاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد .
/ وقال الراغب : البؤس والبأس والبأساء الشدة والمكروه إلا أن البؤس في الفقرة والحرب أكثر والبأس والبأساء في النكاية ، وقرأ أبو بكر { *بيئس } على فيعل كضيغم وهو من الأوزان التي تكون في الصفات والأسماء ، والياء إذا زيدت في المصدر هكذا تصيره اسما أو صفة كصقل وصيقل وعينه مفتوحة في الصحيح مكسورة في المعتل كسيد ، ومن هنا قيل في قراءة عاصم في رواية عنه { بيئس } بكسر الهمزة إنها ضعيفة رواية ودراية ويخففها أن المهموز أخو المعتل ، وقرأ ابن عامر { بالالقاب بِئْسَ } بكسر الباء وسكون الهمزة على أن أصله بئس بباء مفتوحة وهمزة مكسورة كحذر فسكن للتخفيف كما قالوا في كبد كبد وفي كلمة كلمة ، وقرأ نافع { بيس } على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذيب لسكونها وانكسار ما قبلها ، وقيل : إن هاتين القراءتين مخرجتان على أن أصل الكلمة بئس التي هي فعل دم جعلت اسماً كما في قيل وقال ، والمعنى بعذاب مذموم مكروه ، وقرىء { بيس } كريس وكيس على قلب الهمزة ياء ثم ادغامها في الياء ، وقيل : على أنه من البؤس بالواو وأصله بيوس كميوت فأعل اعلاله و { بيس } على التخفيف كهين و { *بائس } بزنة اسم الفاعل أي ذو بأس وشدة ، وقرىء غير ذلك ، وأوصل بعضهم ما فيه من القراءات إلى ست وعشرين ، وتنكير العذاب للتفخيم والتهويل { السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } متعلق بأخذنا كالباء الأولى ولا ضير فيه لاختلافهما معنى أي أخذناهم بما ذكر من العذاب بسبب فسقهم المستمر ، ولا مانع من أن يكون ذلك سبباً للأخذ كما كان سبباً للابتداء وكذا لا مانع من تعليله بما ذكر بعد تعليله بالظلم الذي في حيز الصلة لأن ذلك ظلم أيضاً ، ولم يكتف بالأولى لما لا يخفى .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } لغلبة الشقوة عليهم { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء } وهم الروح والقلب واتباعهما فإنهم كلهم نهوا عن ذلك إلا أن بعضهم مل وبعضهم لم يمل { وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي شديد وهو عذاب حرمان قبول الفيض { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } [ الأعراف : 165 ] أي بسبب تماديهم على الخروج عن الطاعة
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فلما نسوا ما ذكروا به}، يعني فلما تركوا ما وعظوا به من أمر الحيتان، {أنجينا} من العذاب {الذين ينهون عن السوء}، يعني المعاصي، {وأخذنا الذين ظلموا}، يعني وأصبنا الذين ظلموا، {بعذاب}، يعني المسخ، {بئيس}، يعني شديد، {بما كانوا يفسقون}، يعني يعصون...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فلما تركت الطائفة التي اعتدت في السبت ما أمرها الله به من ترك الاعتداء فيه وضيعت ما وعظتها الطائفة الواعظة وذكرتها ما ذكرتها به من تحذيرها عقوبة الله على معصيتها فتقدمت على استحلال ما حرّم الله عليها، أنجى الله الذين ينهون منهم عن السوء، يعني عن معصية الله، واستحلال حرمه. "وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا "يقول: وأخذ الله الذين اعتدوا في السبت فاستحلوا فيه ما حرّم الله من صيد السمك وأكله، فأحلّ بهم بأسه وأهلكهم. "بِعَذَابٍ" شديد بِئِيسٍ "بِمَا كانُوا يَفْسُقونَ" يخالفون أمر الله، فيخرجون من طاعته إلى معصيته، وذلك هو الفسق...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{فلما نسوا ما ذكّروا به} أي تركوا، وأعرضوا عما ذكّروا به..
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{بِعَذَابٍ بَئِيس} فيه ثلاثة أوجه:... والثاني: رديء، قاله الأخفش. الثالث: أنه العذاب المقترن بالفقر وهو البؤس...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
إذا تمادى العبد في تَهتُّكِه، ولم يُبالِ بطول الإمهال والسَّتْر، لم تُهْمِلْ يدُ التقرير عن استئصال العين، ومحو الأثر، وسرعة الحساب، وتعجيل العذاب الأدنى قبل هجوم الأكبر.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
والضمير في قوله: {نسوا} للمنهيين وهو ترك سمي نسياناً مبالغة إذ أقوى منازل الترك أن ينسى المتروك. و {ما} في قوله: {ما ذكروا به} معنى الذي، ويحتمل أن يراد به الذكر نفسه، ويحتمل أن يراد به ما كان فيه الذكر، و {السوء} لفظ عام في جميع المعاصي إلا أن الذي يختص هنا بحسب قصص الآية صيد الحوت، و {الذين ظلموا} هم العاصون، وقوله: {بعذاب بئيس} معناه مؤلم موجع شديد...
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{فلما نسوا ما ذكّروا به} أي فلما نسي العادون المذنبون، ما ذكرهم ووعظهم به إخوانهم المتقون، بأن تركوه وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي في كونه لا تأثير له {أنجينا الذين ينهون عن السوء} أي عن العمل الذي تسوء عاقبته أي أنجيناهم من العقاب الذي استحقه فاعلو السوء بظلمهم {وأخذنا الذين ظلموا} وحدهم {بعذاب بئيس} أي شديد البأس وهو الشدة، أو البؤس وهو المكروه أو الفقر {بما كانوا يفسقون} أي بسبب فسقهم المستمر، لا بظلمهم في الاعتداء في السبت فقط. وذلك أن وصفهم بأنهم ظلموا تعليل لأخذهم بعذاب بئيس، على قاعدة كون بناء الحكم أو الجزاء على المشتق يدل على أن المشتق منه علة له.
ولكن الله تعالى لا يؤاخذ كل ظالم في الدنيا بكل ظلم يقع منه ولو كان قليلا في الصفة أو العدد- وإن شئت قلت في الكيف أو الكم- بدليل قوله: {ولو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابّة} [فاطر: 45] وقوله: {ويعفو عن كثير} [المائدة: 15] وإنما يؤاخذ الأمم والشعوب في الدنيا قبل الآخرة بالظلم والذنوب التي يظهر أثرها فيها بالإصرار والاستمرار عليها، وهو ما أفاده هنا في هؤلاء اليهود قوله تعالى: {بما كانوا يفسقون} وإنما يكون العقاب على بعض الذنوب دون بعض في الدنيا خاصا بالأفراد أو الجماعات الصغيرة من المذنبين كأهل هذه القرية الذين كانوا بعض أهل قرية من أمة كبيرة، وأما الأمم الكبيرة فهي التي تصدق عليها سنن الله في عقاب الأمم إذا غلب عليهم الفسق والظلم كقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] إلا أن يقال إن الفاسقين من أهل تلك القرية كانوا أقل من الفريقين الآخرين. وقد عاقب الله بني إسرائيل كافة بتنكيل البابليين ثم النصارى بهم وسلبهم ملكهم، عندما عم فسقهم، ولم يدفع ذلك عنهم وجود بعض الصالحين فيهم، إذ لم يكونوا يخلون منهم.
والآية ناطقة بهلاك الظالمين الفاسقين، ونجاة الصالحين الذين نهوهم عن عمل السوء وارتكاب المنكر، وسكتت عن الفرقة التي أنكرت على الواعظين وعظهم وإنكارهم، فقيل: إنها لم تنج، لأنها لم تنه عن المنكر بل أنكرت على الذين نهوا، وقيل: بل نجت، لأنها كانت منكرة للمنكر مستقبحة له، ولذلك لم تفعله، وإنما لم تنه عنه ليأسها من فائدة النهي، وجزمها بأن القوم قد استحقوا عقاب الله بإصرارهم فلا يفيدهم الوعظ، وروي هذا عن ابن عباس كما روي عنه أنه كان مترددا في هذه الفرقة حتى أقنعه تلميذه عكرمة بنجاتها. وقد رجح الزمخشري وغيره هذا... أقول: إن ما ذكره من سقوط النهي عن المنكر أو وجوب تركه في حالة اليأس من تأثيره مرجوح ولاسيما إذا أخذ على إطلاقه، وإنما هو شأن أضعف الإيمان في حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإنما تكون هذه الحالة أضعف الإيمان عند عدم استطاعة ما قبلها، فإن استطاع النهي وسكت عنه لم يكن له عذر مطلقا، ولذلك اختلف في هؤلاء الساكتين. المحتملة حالهم للعذر وعدمه، واليأس قلما ينشأ إلا من ضعف في النفس أو الإيمان، وكأين من مكاس وجلاد ومدمن خمر تاب وأناب، والمحققون لم يجعلوا احتمال الأذى ولا يقينه موجبا لترك النهي عن المنكر ولا لتفضيله على الفعل بل قالوا في هذه الحالة بالجواز، واستدلوا على تفضيل النهي بحديث (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وغيرهم...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
فلما لم يجد النصح، ولم تنفع العظة، وسدر السادرون في غيهم، حقت كلمة الله، وتحققت نذره. فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء. وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد الذي سيأتي بيانه. فأما الفرقة الثالثة – أو الأمة الثالثة -فقد سكت النص عنها.. ربما تهوينا لشأنها- وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب -إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب...