تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

حصيرا : مكانا للكافرين .

فالمفهوم أن اليهود عادوا وسيعودون إلى الإفساد ما دام لهم سيطرة ، وفيهم بقية ، فلهم جهنم تحصرهم فلا يفلت منهم أحد ، وتتسع لهم فلا يند عنها أحد .

فالمفسرون على اختلاف طبقاتهم اعتبروا المرَّتين مضى زمانُهما ، الأولى في عهد نبوخذ نصر والأخيرة في عهد تيطس الروماني حيث زال الهيكل وزال حكمهم .

وفي عصرنا هذا وبعد وجود كيان اليهود الجديد ، كتب بعض المفكرين يقول : إن الفترة الثانية هي هذه بوجود دولة إسرائيل ( ودار نقاشٌ طويل في الصحف ، والمجالس ، وشهدتُ بعض هذا النقاش في المغرب لما كنتُ هناك ) وإن الله سيبعث عليهم من يدمرهم .

والواقع أن وجود إسرائيل تقوّى وتمركز بتفككنا نحن العرب والمسلمين ، وبعدنا عن ديننا . ونحن الذين جعلناهم أقوياء بخلافاتنا ، ومحاربة بعضنا بعضا . وواقعهم غير صحيح ، ودولتهم تعتمد على شيئين أمريكا تمدها بالمال والسلاح ، وضعفنا وانشقاقنا وخلافاتنا ، فمتى وحّدنا كلمتنا وجمعنا صفوفنا وعزمنا على استرداد مقدساتنا فإن إسرائيل تزول ولا يبقى لها وجود ، والله تعالى : { إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [ محمد : 8 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

{ عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } بعد البعث الثاني إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي { وَإِنْ عُدتُّمْ } للإفساد بعد الذي تقدم منكم { عُدْنَا } للعقوبة فعاقبناكم في الدنيا بمثل ما عاقبناكم به في المرتين الأوليين ، وهذا من المقضي لهم في الكتاب أيضاً وكذا الجملة الآتية ، وقد عادوا بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وقصدهم قتله فعاد الله تعالى بتسليطه عليه الصلاة والسلام عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير وضرب الجزية على الباقين وقيل عادوا فعاد الله تعالى بأن سلط عليهم الأكاسرة ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحو ذلك والأول مروي عن الحسن . وقتادة ، والتعبير بأن للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يعودوا { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا } قال ابن عباس . وغيره : أي سجنا وأنشد في البحر قول لبيد :

ومقامه غلب الرقاب كأنهم( {[554]} ) . . . جن على باب الحصير قيام

فإن كان اسماً للمكان المعروف فهو جامد لا يلزم تأنيثه وتذكيره . وإن كان بمعنى حاصر أي محيط بهم وفعيل بمعنى فاعل يلزم مطابقته فعدم المطابقة هنا إما لأنه على النسب كلابن وتامر أي ذات حصر وعلى ذلك خرج قوله تعالى : { السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } [ المزمل : 18 ] أي ذات انفطار أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول وقيل التذكير على تأويل جهنم بمذكر ، وقيل لأن تأنيثها ليس بحقيقي نقل ذلك أبو البقاء وهو كما ترى .

وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن أنه فسر ذلك بالفراش والمهاد ، قال الراغب : كأنه جعل الحصير المرمول وأطلق عليه ذلك لحصر بعض طاقاته على بعض فحصير على هذا بمعنى محصور وفي الكلام التشبيه البليغ ، وجاء الحصر بمعنى السلطان وأنشد الراغب في ذلك البيت السابق ثم قال : وتسميته بذلك إما لكونه محصوراً نحو محجب وإما لكونه حاصراً أي مانعاً لمن أراد أن يمنعه من الوصول إليه اه وحمل ما في الآية على ذلك مما لم أر من تعرض له والحمل عليه في غاية البعد فلا ينبغي أن يحمل عليه وإن تضمن معنى لطيفاً يدرك بالتأمل ، وكان الظاهر أن يقال لكم بدل للكافرين إلا أنه عدل عنه تسجيلاً على كفرهم بالعود وذماً لهم بذلك وإشعاراً بعلة الحكم

( ومن باب الإشارة ) :{ عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا } [ الإسراء : 8 ] قال سهل : أي إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى المغرفة وإن عدتم إلى الإعراض عنا عدنا إلى الإقبال عليكم وإن عدتم إلى الفرار منا عدنا إلى أخذ الطريق عليكم لترجعوا إلينا .

وقال الوراق : إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى التيسير والقبول ، وقيل : غير ذلك


[554]:- المقامة الجماعة وعلى ذلك قوله "وفيهم مقامات حسان وجوههم" اهـ منه.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا} (8)

{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فيديل لكم الكرة عليهم ، فرحمهم وجعل لهم الدولة . وتوعدهم على المعاصي فقال : { وَإِنْ عُدْتُمْ } إلى الإفساد في الأرض { عُدْنَا } إلى عقوبتكم ، فعادوا لذلك فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم

فانتقم الله به منهم ، فهذا جزاء الدنيا وما عند الله من النكال أعظم وأشنع ، ولهذا قال : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } يصلونها ويلازمونها لا يخرجون منها أبدا . وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل ، فسنة الله واحدة لا تبدل ولا تغير .

ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظلمة ، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم عقوبة لهم وأنهم إذا أقاموا كتاب الله وسنة رسوله ، مكن لهم في الأرض ونصرهم على أعدائهم .