تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (54)

الرب : السيد والمالك والمربي .

الإله : هو المعبود بحق . والله : اسم لخالق الخلق أجمعين .

السماوات والأرض : هذا الكون وجميع ما فيه .

اليوم : هو هنا غير أيامنا التي نحسب بها .

العرش : سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير .

استوى على العرش : استولى عليه وملكه .

غشّى الشيُّء الشيْءَ : غطاه وستره . وأَغشاه إياه جعله يغطيه ويستره . حثيثا : سريعا .

مسخَّرات : مذللات خاضعات لتصرفه ، منقادات لمشيئته .

الخلق : الإيجاد بقدر .

تبارك الله : تعاظمت بركاته ، والبركة هي الخير الكثير الثابت .

في الآيات السابقة كان القول في أمر المَعادِ والفئات من الناس في ذلك اليوم ، وما يدور من حوار بين تلك الفئات . وهنا ، يذكر الخَلق والتكوينَ وبيان قدرته تعالى وعظيم مصنوعاته .

إن ربّكم الذي يدعوكم بواسطة رسُله إلى الحق هو خالقُ الكون ومبدعه : خلق السماوات والأرض في ستة أيام . وهي غير أيامنا المعروفة لأن الإنسان عندما يخرج من جو الأرض ينعدم لديه الزمان المعروف عندنا ويصبح غير محدود ، كما قال تعالى : { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } هذا مع أنه جل جلاله قادر على أن يخلق الكون في لحظة واحدة ، ولكنه يقرّب إلى أفهامنا الأمور على قدر ما نستطيع فهمها .

{ ثُمَّ استوى عَلَى العرش . . . } ثم استولى على السلطان الكامل .

وهو الذي يجعل الليلَ يستر النهارَ بظلامه ، ويعقِّب الليلَ النهارَ سريعاً بانتظام كأنه يطلبه . كذلك خلقَ الشمسَ والقمر والنجوم ، وهي خاضعة له مسيَّراتٌ بأمره . إن له وحده الخلقَ والأمَر المطاع { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } .

وقد تضمنت هذه الآية الكريمة ثلاثة معان :

أولها : أن السماواتِ والأرضَ خلقهما الله تعالى في ستة أيام ، لكنها ليست بقدر ما نراه الآن ونعيش فيه ، ونعدّه في الحساب ، بل المراد تغير أحوالٍ بين ظَلام وغَبَش ، وإصباح وضُحى ، وظهيرة وأصيل .

والأحوال الستةُ التي اعتُبرت أياماً كما يذكرها العلماء المختصّون ، هي : حال الأثير ، وهي التي عَبَّر عنها في سورة الدخان بأنها دخان . ثم كان من هذا الأثير شموسٌ لا حصر لها ، منها شمسُنا . ثم الأرض والكواكب وهذا النظام الذي نعيش فيه ، وهو ذرّةٌ في هذا الكون الواسع .

ثانيها : أن كلّ ما في الكون هو في سلطان الله وحده ، ولا سلطان لأحد سواه . ومهما يُؤْتَ الإنسان من قوةٍ فلن يستطيع تسيير الكون على ما يريد ، وأقصى ما يستطيعه أن ينتفع به ، ويعرف بضع ما فيه من أسرار .

ثالثها : أن تعاقب الليل والنهار جاءَ بعد خلْقِ الأرض والسماوات ، في أحوال نسبية بالنسبة لأصل تكوين الأرض والعلاقات بينهما وحركاتهما .

قراءات :

قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عصام : يُغَشّىِ ، بالتشديد وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص يُغْشي بضم الياء وسكون الغين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (54)

قوله تعالى : { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } ذلك إخبار من الله عز وجل عن غيبه المستور وعلمه الخفي المكنون الذي لا يحيط به إلا هو ، بما يدل على عظيم صنعه وبالغ قدرته وإرادته وحقيقة وجوده التي حفل بها الوجود كله والتي تشهد لها كل الحقائق والخلائق والدقائق كافة . إن ذلك كله يشهد بما يشهد الحس شدها ويقرع الجنان والعقل قرعا ، على أن الله لهو ذو الجلال والإكرام وأنه الخالق الموجد المبدع . ومن جملة خلقه ، خلق السموات والأرض بكل ما فيهما وما بينهما من عجائب كبريات وغرائب بواهر ، وذلك في ستة أيام . ولا نقف على حقيقة المراد بالأيام هذه إلا ما أوفقنا عليه ظاهر النص من غير تكلف في ذلك ولا تمحل أو إقحام للعقل فيما لا يطيق أو يحتمل ؛ فقد قيل : ستة أيام كأيام الدنيا . وقيل : ستة أيام كأيام الآخرة . والله أعلم بما يريد . مع أن الله قادر أن يخلقهما في طرفة عين أو دون ذلك إن شاء ، لكنه يفعل ما يشاء ؛ فالسموات والأرض من خلقه ، والأيام من صنعه وتقديره ، وله أن يقرر ما يريد دون معقب من أحد أو نديد . وفي هذا الصديد يقول سعيد بن جبير : كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة ، فخلقهن في سنة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأني في الأمور . وفي الحديث مما رواه أبو يعلي وغيره عن أنس : ( التأني من الرحمة ، والعجلة من الشيطان ) .

قوله : { ثم استوى على العرش } { استوى } في اللغة بمعنى استقر . استوى على دابته إذا استقر على ظهرها . واستوى إلى السماء ؛ أي قصدها ، واستوى بمعنى استولى وظهر . وهو من تأويل المعتزلة . واستوى الشيء ؛ أي اعتدل . والاسم السواء{[1423]} .

على أن الاستواء على العرش صفة للرحمن بغير كيفية يقف على حقيقتها الإنسان ، بل يجب عليه الإيمان باستواء الله على العرش ، وأن يكل العلم في ذلك إلى الله عز وجل . وقد سأل رجل الإمام مالك بن أنس عن قوله : { الرحمان على العرش استوى } : كيف استوى ؟ فاطرق رأسه مليا وعلته الرحضاء{[1424]} . ثم قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أظنك إلا ضالا ، ثم أمر به فأخرج .

والعرش ، في اللغة ، بمعنى سرير الملك ، ويطلق أيضا على الملك والعز والسلطان . وعرش البيت سقفه . وقيل : العرش معناه البناء العالي{[1425]} والمراد بالعرش في هذه الآية وغيرها من الآيات ، في ضوء ما تكشف عنه الأحاديث الصحيحة : أنه الخلق العظيم الهائل الذي يحيط بالسموات والأرض ؛ فهو أكبر منهما وأوسع ، لاشتماله عليهما وإحاطته بهما{[1426]} .

قوله : { يغشي الليل النهار } الجملة الفعلية في محل نصب حال . والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار . ويغشي معناه يغطي ، من الغشاء والغشاوة ؛ أي الغطاء ؛ أي يجعل الليل والنهار غشاء فيجلله بظلامه . أو يغطي ضياءه بسواده الشديد .

قوله : { يطلبه حثيثا } الجملة الفعلية في محل نصب من الليل . صفة لمصدر محذوف تقديره طلبا حثيثا . والحثيث معناه المسرع{[1427]} ؛ أي أن الليل يطلب النهار طلبا سريعا لا يعرف الفتور . وذكر الطلب هنا على سبيل المجار . وذلك أن أحدهما يعقب الآخر ويخلفه فكأنما يطلبه طلبا سريعا دائما لا انقطاع فيه ولا اضطراب ولا فتور . وهو من استمرار طلبه للنهار لا يدركه بل هو في أثره طوال الزمان حتى ينقطع الزمان إذ تنكدر النجوم انكدارا وتنثر الكواكب انتثارا . وهذا إيذان داو ومزلزل بقيام الساعة ، بعد أن يتبدد نظام الكون في هذه الدنيا وينفرط عقد الكائنات وما حوته الطبيعة من قوانين مقدورة .

قوله : { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره } الأسماء الثلاثة الأولى معطوفة على السموات . ومسخرات ، منصوب على الحال ؛ أي أن الله خلق السموات والأرض وخلق الشمس والنجوم مذللات بأمره أي بإرادته وقدرته وبمقتضى حكمته وتدبيره ؛ فهن مأمورات لله الذي فطرهن .

قوله : { ألا له الخلق والأمر } الخلق : الإيجاد والاختراع مثلما قدر وأورد . والأمر : أي يأمر في خلقه بما يشاء ، وليس له في ذلك شريك .

قوله : { تبارك الله رب العالمين } تبارك من البركة ، وهي في اللغة بمعنى النماء والزيادة . والتبريك : الدعاء والبركة . وتبرك به ، أي تيمن به{[1428]} و { تبارك الله } أي علا وعظم أو تعالى وتعظم . وقيل : تبارك وتقدس ، والقدس بمعنى الطهارة . وقيل : كثرت بركته واتسعت لتصيب الحياة والأحياء جميعا{[1429]} ورب العالمين ، أي مالك كل شيء في الوجود . إذ ما من شيء في السموات والأرض أو بينهما أو خارج حدودهما مما هو أوسع منهما إلا هو مملوك له ؛ لأنه سبحانه له ملكوت كل شيء .


[1423]:مختار الصحاح ص 324 وتفسير البغوي جـ 2 ص 165 والتبيان للطبرسي جـ 4 ص 422.
[1424]:الرحضاء: رحض يده وثوبه، أي غسله. انظر مختار الصحاح ص 237.
[1425]:مختار الصحاح ص 423 وقتح القدير جـ 2 ص 211.
[1426]:تفسير البحر المحيط جـ 4 ص 308.
[1427]:مختار الصحاح ص 122.
[1428]:مختار الصحاح ص 49.
[1429]:تفسير البحر المحيط جـ 4 ص 309، 310 وتفسير البغوي جـ 2 ص 164، 165 والتبيان للطبرسي جـ 4 ص 421- 423.